-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“ميديا بارت” تنشر تحقيقا حول مجزرة 23 ماي 1956 بوادي الصومام: حين تتكلم الضحية ويسكت الجلاد

ماجيد صراح
  • 995
  • 0
“ميديا بارت” تنشر تحقيقا حول مجزرة 23 ماي 1956 بوادي الصومام: حين تتكلم الضحية ويسكت الجلاد
Alamy Stock Photo (عبر موقع histoirecoloniale.net)
عملية عسكرية قام بها جنود الاستعمار في قرية من قرى منطقة القبائل في ماي 1956 أين لم يبق سوى النساء والأطفال.

ستنشر صحيفة “ميديا بارت” بداية من يوم غد الإثنين، 18 أوت، تحقيقا من 5 مقالات حول واحدة من الجرائم الفظيعة التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وهي مجزرة 23 ماي 1956 في وادي الصومام، أين تمت إبادة قرى بأكملها. السلسلة هي ثمرة تحقيق طويل أُنجز على ضفتي المتوسط، بدأته الصحفية والمخرجة الجزائرية-البلجيكية صافية كساس، والمؤرخ الفرنسي المتخصص في القضايا الاستعمارية وما بعد الاستعمارية، فابريس ريسيبوتي.

عما دفع صافية كساس، وهي بنت مهاجرين جزائريين في بلجيكا، هربا الى اوروبا من القمع والفقر الذي عاشه الجزائريون أثناء الاستعمار الفرنسي للجزائر، للإهتمام بهذا الموضوع، ومسائلة هذه الذاكرة، تقول لـ”الشروق” أن فكرة التحقيق أتت من “قصة شخصية، من صمت العائلة وما كان يخفيه من حقائق مطموسة حول حرب الاستقلال، مثل كثيرين غيرنا”.

وتضيف صافية كساس: “هذه الرحلة متجذرة أيضا في أصولي: فوالدي نفسه من هذا الوادي (وادي الصومام، التحرير)، وهناك تتجلى قصة ما تزال حيّة في المشاهد والذاكرات. وقد أدركت بسرعة أنّ هذه الخطوة تتجاوز إرثي العائلي لتلتحق بذاكرة جماعية مثقلة بالألم. واليوم يتجسد هذا العمل في فيلم وثائقي قيد الإنجاز، يتيح لي أن أمنحه بعدا بصريا وحسيا. المؤرخ الفرنسي فابريس ريسبوتي قَبِل خوض هذه المغامرة حتى تكون نتائج التحقيق أكثر صلابة: فمقاربتانا تتكاملان من أجل تسليط الضوء على حلقة تم إخفاؤها من حرب الجزائر. معا نحاول أن نزاوج بين التاريخ المَعيش والتاريخ الأكاديمي لفهمه ونقله والإجابة عن تطلعات الأجيال الجديدة الباحثة عن وضوح ومرجعيات حول هذا الماضي، كما نشرح ذلك في تحقيق ميديا بارت.”

 صبيحة 23 ماي 1956، حاصرت قوات الاستعمار الفرنسي ثلاث قرى في وادي الصومام بينما كان السكان نائمين. كان الجنود يطرقون الأبواب، ومن يجرؤ على فتحها يستقبل برصاصة في الرأس، أما من يُفاجَأون داخل بيوتهم فكان مصيرهم القتل في أسرّتهم. وقتل جنود الاستعمار في ذلك اليوم 76 شخصا، بينهم امرأة، من قرى آيت صولة، تازروت وأقني.

 الجرائم التي ارتكبها جنود الاستعمار في ذلك اليوم لم تقتصر فقط على مجرد القتل، بل تجاوزتها إلى اغتصاب النساء، وبتر أعضاء الضحايا بدون رحمة، رغم الصرخات. فقال أحد الجنود ببرودة وهو يخرج أحد السكان من بيته “النساء اللائي يعجبننا نغتصبهن، والرجال الذين لا يعجبوننا نقتلهم”، كما ينقله عن أحد الشهود، الباحث في علم الإجتماع علي مكي، في عمل وثائقي سابق مع صافية كساس.

 هذه الجريمة، والتي تضاف إلى جرائم أخرى ارتكبها الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وبالرغم من بشاعتها، والأثر الذي تركته في نفوس الضحايا وذويهم إلى غاية اليوم، إلا أنها بقيت مجهولة لدى الكثيرين في فرنسا التي لا تعترف بها.

 المؤرخ فابريس ريسيبوتي يصف هذه الجريمة الاستعمارية على أنها “حالة نموذجية من تلك القمعيات الاستعمارية التي تبقى مجهولة إلى حد كبير في فرنسا، لكنها حاضرة بقوة في الذاكرة الجزائرية، كما يبيّنه تحقيقنا. وهي أيضاً حالة نموذجية أخرى، عن العنف القائم على النوع والعنف الجنسي الممارس بشكل واسع ضد النساء أثناء الحرب الاستعمارية في الجزائر، وأيضاً عن تهميشه وتجاهله، هنا وهناك.”

إقرأ أيضا – المؤرخ كريستوف لافاي يتحدث لـ “الشروق” عن توثيق فصل مظلم من تاريخ فرنسا الاستعمارية

 ويلفت: “كان عملي حتى الآن منصبّا على العنف الاستعماري في الوسط الحضري، بالجزائر العاصمة، فقد شكّل هذا التحقيق أول مواجهة مباشرة لي مع شهود الحرب الاستعمارية في الأوساط الريفية، حيث كانت أكثر وحشية وأقل ظهورا بكثير من منظور فرنسا.”

 ففي أرشيف مصلحة التاريخ العسكري في قلعة فانسان بفرنسا، يظهر أثر هذه الجريمة، لكن في “تقرير بارد، جاف ومقتضب”، كما تصفه صافية كساس التي نفضت الغبار عنه.

 فأشار قائد الكتيبة في تقريره إلى تطويق قريتين: آيت سولة وتازروت، من طرف ثلاث سرايا مع تعزيز جوي، خلال عملية استمرت من الفجر حتى نهاية بعد الظهر. وتحدث عن مقتل “جندي سنغالي” وتبادل لإطلاق النار، غير أن التقرير لا يذكر المدنيين ولا العدد الحقيقي للقتلى. يكتفي بالإشارة ببرودة إلى تدمير قرية على الساعة الحادية عشرة، ومقتل 39 “فلاغا” -وهي التسمية التي كان يطلقها الاستعمار الفرنسي على جنود وفدائيي الثورة التحريرية وذلك اتهاما لهم بالمخربين- والعودة من العملية في الرابعة مساء.

صافية كساس وفابريس ريسبوتي، برفقة سمير موترفي (جالس على كرسي)، عضو لجنة قرية آيت سولة، أجروا العديد من المقابلات مع الشهود المباشرين وغير المباشرين على مجزرة 23 ماي 1956، من بينهم السيدة ح. وبالرغم من أنها لم تكن موجودة بالقرية يوم المجزرة، إلا أنها فقدت زوجها وأبنائها، والتي تروي تجربتها ومعاناتها. (الصورة مقدمة من طرف صافية كساس).

صافية كساس وفابريس ريسبوتي، برفقة سمير موترفي (جالس على كرسي)، عضو لجنة قرية آيت سولة، أجروا العديد من المقابلات مع الشهود المباشرين وغير المباشرين على مجزرة 23 ماي 1956، من بينهم السيدة ح. وبالرغم من أنها لم تكن موجودة بالقرية يوم المجزرة، إلا أنها فقدت زوجها وأبنائها، والتي تروي تجربتها ومعاناتها. (الصورة مقدمة من طرف صافية كساس).

 لا تزال آثار هذه الجريمة تعيش مع الضحايا، وبالأخص مع النساء اللائي تعرضن للاعتداءات من طرف جنود الاستعمار، ولا يزال الحديث عن هذه الجروح صعبا حتى بعد مرور السنين.

 “الطلب من نساء أن يعُدن إلى جراح عميقة، ظلّت طويلا مغطاة بالصمت وأحيانا بالعار، يقتضي ثقة مطلقة والكثير من الحساسية. كنّا ندرك صعوبة كسر جدار الصمت، وأحيانا لا بد من قراءة ما بين السطور وقبول ذلك، وهو في حد ذاته إنجاز كبير لهن”، تحدثنا صافية كساس، وهي الصحفية والمخرجة التي تتميز بإعطاء الكلمة للمهمَّشين ولمن لا صوت لهم، عن صعوبة جمع شهادات هذه النساء اللائي عشن يوم 23 ماي 1956، سواء كشهود أو ضحايا، والتي تطلب إقناعهن بالحديث عما تعرضن له من أجل هذا التحقيق مسارا طويلا ودقيقا.

 لتواصل أن العلاقة بين الطرفين تطورت “خطوة بخطوة، في جو من الاحترام والإصغاء. وما ظهر آنذاك كان كلاما متحفظا وشجاعا في الوقت نفسه، تحكمه رغبة في ألا يَحملن وحدهن هذا العبء بعد الآن. وجميع هؤلاء النساء محاطات بدعم من عائلاتهن. إن شهاداتهن تتجاوز حدود القصة الفردية: فهي أفعال حقيقية لنقل الذاكرة موجهة إلى الأجيال القادمة.”

 اليوم وبعد قرابة سبعين سنة ما يزال ثقل أحداث المجزرة حاضرا، بين كلام مجروح للضحايا وصمت وإنكار المسؤولين عنها، كما تقوله لنا صافية كساس “الضحايا يتأرجحون بين الصمود والجراح التي لم تلتئم بعد، وهذا الإرث يتسرب غالباً إلى الأجيال التالية على شكل روايات مجزأة أو صمت ثقيل. أمّا من جهة المتهمين بارتكاب الجرائم، فالكلام نادر وصعب. حاولت لقاء عدد من المجنّدين، لكن معظمهم رفض أو احتمى بالصمت أو التبرير أو الإنكار. غير أن رجلا واحدا فقط قَبِل أن يشهد. كانت شهادته استثنائية بصدقه النادر: روى تجربته دون تزيين، وأعرب خصوصا عن ندمه. وكما نقرأ في التحقيق الذي نشرته ميديا بارت، فإن هذه الشهادة الفريدة تبرز التناقض الحاد بين كلام الضحايا المجروح والمجزأ، وبين صمت المسؤولين العنيد. وهو الصمت نفسه الذي اصطدمنا به، أنا وفابريس، خلال هذا التحقيق.”

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!