الرأي

ميليشيا تبتلع دولة!

حسين لقرع
  • 3171
  • 0

تؤكِّد التقارير الواردة من السودان هذه الأيام أنّ الوضع بهذا البلد أضحى بالغَ القتامة، ويسير به سريعا نحو الانهيار والتحوّل إلى دولةٍ فاشلة جديدة بالوطن العربي، إذا لم ينجح الجيش في قمع تمرّد ميليشيا حميدتي وحلّها.

ثلاثة أرباع المشافي في الخرطوم أضحت خارج الخدمة، بفعل استيلاء الميليشيا عليها واتخاذها مقارَّ لها تهاجم منها ثكنات الجيش والدوائر الحساسة للدولة، وخدماتُ المياه والكهرباء والهاتف والوقود متردّية، ومقارُّ الإغاثة الدولية وكذا المحالُّ التجارية والأسواق تتعرّض للنهب المنظم والحرق، ونحو 25 مليون سوداني من أصل 45 مليونا أصبح على حافّة المجاعة حسب الأمم المتحدة، والقتلى المدنيون يسقطون كل يوم، ما أجبر نحو 1.2 مليون سوداني على الفرار من بيوتهم…

ما يحدث في السودان منذ شهرين هو نتيجةٌ حتمية للّعب بالنار وإنشاء ميليشيا “الجنجويد” من قبائل عربيةٍ بدارفور لمساعدة الجيش في مكافحة تمرّد قبائل إفريقيةٍ بالإقليم سنة 2003، بدل أن يقوم الجيش بهذه المَهمّة وحده. واستطاعت هذه الميليشيا العرقية السيطرة على التمرّد، لكنّها لم تُحلّ بعدها، وتُرِكت تكبر بغية مساعدة الجيش على إخماد حركات التمرّد التي كانت تظهر تِباعا في مناطق شتى من السودان، وتغاضى نظامُ البشير عن تصاعد قوّتها وامتلاك قائدها حميدتي مناجمَ ذهبٍ لتمويل عناصره، بل إنّه أضفى عليها الشرعية بتحويل اسمها في سنة 2013 من “الجنجويد” إلى “قوات التدخّل السريع”، وبمرور الوقت أضحت جيشًا موازيًا لا يقلّ عدد عناصره عن 100 ألف، وله أسلحة ثقيلة، ولا يتفوّق عليه الجيشُ النظامي سوى بالطيران، وحينما انتبه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى تغوّل هذه الميليشيا، ووضعَ خطة لدمجها في الجيش تحت قيادته قبل أن تتحوّل إلى “فرانكشتاين” جديد، ثار عليه حميدتي وزحف على العاصمة للإطاحة به بالقوة.

وما يزيد الوضع سوءا أنّ القوى الإقليمية والدولية تساوي بين الجيش النظامي وهذه الميليشيا المتمرّدة كما يلاحَظ من خلال بياناتها وتصريحاتها التي تدعو فيها ما تسمِّيه “طرفي الصراع” إلى ضبط النفس ووقف القتال وإيجاد تسويةٍ سلمية للنزاع، أي أنّ الجيش مطالَبٌ بتقديم تنازلات للميليشيا للوصول إلى تسوية سلمية، ومن ثمّ العودة إلى فترة ما قبل 15 أفريل، وكأنّ شيئا لم يحدث!

في شتى الدول، ليس هناك طرفٌ يملك حقّ الامتلاك الحصري للسلاح سوى الجيش والأسلاك النظامية، وكلّ ما عداه ينبغي نزعُ سلاحه ولو بالقوة، لكن في السودان، ليس هناك أيُّ حديثٍ عن ضرورة تجريد الميليشيا المتمرّدة من سلاحها. وإذا كان تسليحُها هو خطيئة سياسية كبرى ارتكبها نظامُ البشير وزكّاها خلفُه البرهان، فإنه ينبغي معالجة الأمر اليوم بنزع سلاحها أو دمج عناصرها في الجيش النظامي، مع تقديم حميدتي للعدالة لمحاكمته على جرائمه بحقّ السودانيين منذ 2003 إلى اليوم، علما أنّ المحكمة الجنائية الدولية أصدرت مذكّرة توقيفٍ دولية بحقّه بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة وتطهيرٍ عرقي بحقّ مئات الآلاف من سكان دارفور الأفارقة، لكنّ الغرب المنافِق يغضّ عنه النظر لأنه يساهم في مكافحة الهجرة الإفريقية غير النظامية إلى أوربا، كما أنه مطبّعٌ مع الكيان الصهيوني، ومعادٍ للإسلاميين.

نقول هذا الكلام، ليس لنصرة البرهان الذي أدار ظهره للقضية الفلسطينية وقرّر التطبيع مع الاحتلال، مقابل وعودٍ أمريكية برفع بلده من قائمة دعم الإرهاب، بل نصرةً للجيش السوداني الذي ينبغي أن يكون الوحيد الذي يحتكر حمل السلاح كما أسلفنا، ودعمًا لوحدة السودان المهدَّد اليوم بالتفكّك والانهيار إذا لم يُقضَ على التمرّد.

السودان اليوم يعيش وضعا بالغ الخطورة إزاء تصاعد الاشتباكات بالأسلحة الثقيلة، والدعم العسكري المتواصل الذي تحظى به ميليشيا حميدتي من بعض القوى الإقليمية والدولية المتكالبة على ثروات السودان وخيراته. والغريب أنّ هذه القوى ملأت الدنيا ضجيجا وصراخا حينما تعلّق الأمر بـ”حزب الله” في لبنان، ووصفته بأنه “دولة داخل دولة”، وهي تشنّ منذ سنوات حملاتٍ سياسية وإعلامية ضارية لنزع سلاحه، لكنّها تدعم الآن ميليشيا حميدتي ضدّ الجيش النظامي بلا تردّد وتساعدها على ابتلاع السودان من دون أن يرفّ لها جفن!

مقالات ذات صلة