-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مَخْزَنُ المَغْرِبِ: مِنْ “مَلَّاحِ” التَّأْسِيسِ إِلَى”طُوفَانِ” الِانْعِتَاقِ

مَخْزَنُ المَغْرِبِ: مِنْ “مَلَّاحِ” التَّأْسِيسِ إِلَى”طُوفَانِ” الِانْعِتَاقِ

فِي سَبْعِينِيَّاتِ القَرْنِ المَاضِي، قَرَأْتُ فِي أُسْبُوعِيَّةِ «لُوكَانَار أُونْشِينِي» الفَرَنْسِيَّةِ، جُمْلَةً مَجَازِيَّةً عَنْ دُوَلِ المَغْرِبِ العَرَبِيِّ، وَالَّتِي كَانَتْ تُمَثِّلُ كُلًّا مِنْ تُونِسِ “الحَبِيب بُورْقِيبَة” وَجَزَائِرِ “هَوَارِي بُومَدْيَن” وَمَغْرِبِ “الحَسَنِ الثَّانِي”. هَذِهِ الجُمْلَةُ المَجَازِيَّةُ تَشْرَحُ الهُوِيَّةَ السِّيَاسِيَّةَ لِهَذِهِ الشُّعُوبِ وَالأَنْظِمَةِ، قَالَهَا خَبِيرٌ سُوَيْسْرِيٌّ فِي العُلُومِ السِّيَاسِيَّةِ، اخْتَصَرَ مُجَلَّدَاتٍ مِنَ السُّوسْيُولُوجْيَا السِّيَاسِيَّةِ.

دَعْنَا نُحَلِّلْ مَعاً هَذَا التَّلَاعُبَ اللَّفْظِيَّ المَجَازِيَّ وَكَيْفَ يَتَقَاطَعُ مَعَ كُلِّ مَا نَعْرِفُهُ اليَوْمَ حَوْلَ الرَّعَايَا وَالشَّعْبِ فِي كُلٍّ مِنْ تُونِسَ وَالجَزَائِرِ وَالمَغْرِبِ:

  1. تُونِس: “رَئِيسٌ من دُونِ شَعْبٍ” (Le président sans peuple)

فِي عَهْدِ بُورْقِيبَة، كَانَ هُنَاكَ “الزَّعِيمُ الحَبِيبُ بُورْقِيبَة” الَّذِي يَرَى نَفْسَهُ المُجَاهِدَ الأَكْبَرَ وَأَباً لِلأُمَّةِ التُّونِسِيَّةِ، وَمُحْدِثاً لِلنَّهْضَةِ، وَمُحَرِّراً لِلْمَرْأَةِ. بُورْقِيبَة كَانَ يَسْبِقُ مُجْتَمَعَهُ بِمَرَاحِلَ (أَوْ هَكَذَا كَانَ يَرَى)، فَكَانَ يُدِيرُ الدَّوْلَةَ كَأَنَّهُ فِي مُخْتَبَرٍ لِتَحْدِيثِ البَشَرِ. “رَئِيسٌ من دُونِ شَعْبٍ” تَعْنِي أَنَّ بُورْقِيبَة كَانَ يَعِيشُ فِي فِكْرِهِ وَعَلْمَانِيَّتِهِ وَتَطَلُّعَاتِهِ الغَرْبِيَّةِ، بَيْنَمَا ظَلَّ “الشَّعْبُ” فِي وَادٍ آخَرَ، مُغَيَّباً عَنِ القَرَارِ السِّيَاسِيِّ الفِعْلِيِّ، وَمُكْتَفِياً بِدَوْرِ “المُتَفَرِّجِ” عَلَى إِصْلَاحَاتِ الرَّئِيسِ.

  1. المَغْرِب: “شَعْبٌ من دُونِ رَئِيسٍ” (Le peuple sans président)

هُنَا نَصِلُ إِلَى لُبِّ المَخْزَنِ. هَذِهِ الجُمْلَةُ (شَعْبٌ من دُونِ رَئِيسٍ) هِيَ الوَصْفُ الأَدَقُّ لِلغِيَابِ الرَّمْزِيِّ لِلْحَاكِمِ فِي حَيَاةِ النَّاسِ اليَوْمِيَّةِ، رَغْمَ حُضُورِهِ القَوِيِّ فِي “البُرُوتُوكُولِ”.

  • بِالمَعْنَى السُّوسْيُولُوجِيِّ: الشَّعْبُ المَغْرِبِيُّ (الرَّعَايَا) تَائِهٌ فِي مُعَانَاتِهِ؛ فَشِعَارُ المَخْزَنِ: (الله، الوَطَن، المَلِك)، فَالشَّعْبُ مُغَّيَب، والمَغْرِبِيُّ لَا يَجِدُ “رَئِيساً” يَحْمِيهِ أَوْ يُوَفِّرُ لَهُ كَرَامَتَهُ، لِأَنَّ المَلِكَ فَوْقَ الجَمِيعِ، فِي قَلْعَةِ “المَلَّاحِ” أَوْ وَرَاءَ أَسْوَارِ قُصُورِهِ فِي المَغْرِبِ أَوْ فِي الخَارِجِ.
  • بِالمَعْنَى السِّيَاسِيِّ: السُّلْطَةُ فِي المَغْرِبِ لَيْسَتْ “رِئَاسَةً” مَدَنِيَّةً مَسْؤُولَةً أَمَامَ النَّاسِ، بَلْ هِيَ مَخْزَنٌ لَا يَشْعُرُ المُوَاطِنُ بِوُجُودِهِ إِلَّا مِنْ خِلَالِ مَرَاكِزِ الشُّرْطَةِ أَوِ الدَّرَكِ أَوِ المُخَابَرَاتِ أَوْ الضَّرِيبَةِ أَوْ القَمْعِ؛ فَالشَّعْبُ يَعِيشُ فِي وَادٍ، وَالسُّلْطَةُ -الَّتِي مِنَ المُفْتَرَضِ أَنْ يُمَثِّلَهَا الرَّئِيسُ- تَعِيشُ فِي عَالَمٍ آخَرَ مِنَ التَّحَالُفَاتِ الصِّهْيَوْنِيَّةِ وَالصَّفَقَاتِ المَالِيَّةِ الكُبْرَى. وَلِهَذَا فِي المَغْرِبِ، لَا يَزَالُ الشَّعْبُ يَعِيشُ كَأَنَّهُ “من دُونِ رَئِيسٍ” (من دُونِ رَاعٍ حَقِيقِيٍّ)، لِأَنَّ المَخْزَنَ اخْتَارَ أَن يكونَ “رَئِيساً لِلْمَلَّاحِ” لَا “رَئِيساً لِلْمَغَارِبَةِ”.
  1. الجَزَائِر: “شَعْبٌ كُلُّ فَرْدٍ فِيهِ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ رَئِيساً”

هَذَا الوَصْفُ هُوَ “أَيْقُونَةُ الشَّخْصِيَّةِ الجَزَائِرِيَّةِ” الَّتِي ظَهَرَتْ مُنْذُ الاسْتِقْلال وَخَاصَة بِشَكْل قَوِي فِي 2019 بِالحَرَاكِ المُبَارَكِ. فِي عَهْدِ بُومَدْيَن، كَانَتِ الدَّوْلَةُ قَوِيَّةً، لَكِنَّ “المُوَاطِنَ الجَزَائِرِيَّ” يَرْفُضُ بِطَبْعِهِ الوِصَايَةَ.

  • السِّيَادَةُ الفَرْدِيَّةُ: كُلُّ جَزَائِرِيٍّ هُوَ “جُمْهُورِيَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ”، يَمْتَلِكُ وَعْياً حَادّا بِحُقُوقِهِ وَبِرَأْيِهِ السِّيَاسِيِّ.
  • الرُّوحُ الثَّوْرِيَّةُ: هَذَا مَا جَعَلَ “الرَّعَايَا” فِي الجَزَائِرِ يَتَحَوَّلُونَ إِلَى “شَعْبٍ” فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ عِنْدَمَا رَفَعُوا السِّلَاحَ فِي وَجْهِ الِاسْتِعْمَارِ الفَرَنْسِيِّ فِي الفَاتِحِ مِنْ نُوفَمْبِر 1954م، وَحَرَّرُوا الجَزَائِرَ مِنْ تَبَسَّة إِلَى تِنْدُوف وَمِنْ تِيزِي وُوزُو إِلَى تَمَنْرَاسِت؛ لِأَنَّ كُلَّ فَرْدٍ يَشْعُرُ بِمَسْؤُولِيَّتِهِ كَأَنَّهُ “الرَّئِيسُ”. هَذِهِ “الأَنَفَةُ” هِيَ الَّتِي أَسْقَطَتِ العُهْدَةَ الخَامِسَةَ، وَهِيَ الَّتِي تَرْفُضُ أَنْ يَحْتَمِيَ نِظَامُهَا بِالخَارِجِ مَهْمَا كَانَ. وفِي الجَزَائِرِ، هَذِهِ الرُّوحُ الَّتِي يُرِيدُ فِيهَا كُلُّ فَرْدٍ أَنْ يَكُونَ رَئِيساً هِيَ الَّتِي جَعَلَتْ مِنَ “الحَرَاكِ” مَدْرَسَةً عَالَمِيَّةً، إذ لَمْ يَقْبَلِ الشَّعْبُ أَنْ يَقُودَهُ “رَئِيسٌ طَرِيحُ الفِرَاشِ”.

لَقَدْ كَانَ طَرْحُ هَذَا الخَبِيرِ “نِصْفَ الحَلِّ”، لِأَنَّهُ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى العِلَّةِ: المَغْرِبُ يُعَانِي مِنْ “فَرَاغٍ فِي القِيَادَةِ الوَطَنِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ” الَّتِي تَنْحَازُ لِلرَّعَايَا، فَمَلأَ هَذَا الفَرَاغَ “الغُبَارُ الصِّهْيَوْنِيُّ”. والمُتَفَحِّصُ لِتَارِيخِ المَغْرِبِ الأَقْصَى اليَوْمَ، لَا يَجِدُ فَرَاغاً بَيْنَ مَا سَطَّرَهُ الكَاتِبُ مُحَمَّد شُكْرِي فِي خُبْزِهِ الحَافِي وَمَا بَاحَتْ بِهِ المُمَثِّلَةُ وَالكَّاتِبَةُ لُبْنَى أَبْيَضَار فِي كِتَابِهَا الخَطِيرَة؛ فَالرَّابِطُ بَيْنَهُمَا لَيْسَ جِنْسَ “السِّيرَةِ الذَّاتِيَّةِ” فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ ذَلِكَ “الأَبُ المَخْزَنِيُّ” العَنِيفُ وَالقَبِيحُ، الَّذِي يَتْرُكُ رَعَايَاهُ يَنْهَشُهُمُ الجُوعُ وَيَطْحَنُهُمُ التَّهْمِيشُ، بَيْنَمَا يَتَفَرَّغُ هُوَ لِتَحْصِينِ قِلَاعِهِ. إِنَّ مَا نَرَاهُ اليَوْمَ لَيْسَ إِلَّا تَرْجَمَةً لِمَقُولَةِ الشَّاعِرِ عَبْدِ اللَّطِيفِ اللَّعْبِيِّ: قَالُوا عَهْدٌ جَدِيدٌ، وَلَكِنَّ الرِّيحَ تَحْمِلُ الغُبَارَ ذاته. الإِطَارُ يَتَبَدَّلُ، لَكِنَّ الوُجُوهَ الظَّالِمَةَ لَا تَزَالُ تَبْتَسِمُ بِيَقِينِ الطَّاغِيَةِ.

و”الدُّودَةُ” الَّتِي تَنْخُرُ جَسَدَ الدَّوْلَةِ المَغْرِبِيَّةِ اليَوْمَ تَعُودُ إِلَى لَحْظَةِ التَّأْسِيسِ العَلَوِيِّ عَامَ 1666م؛ حِينَ دَخَلَ كَبِيرُهُم السُّلْطَانُ الرَّشِيدُ مَدِينَةَ فَاسَ، فَلَمْ يَسْتَنْصِرْ بِأَهْلِهَا وَلَا بِعُلَمَائِهَا، بَلْ لَجَأَ إِلَى المَلَّاحِ (حَيِّ اليَهُودِ) مُحْتَمِياً بِهِمْ لِتَثْبِيتِ أَرْكَانِ حُكْمِهِ، وَبَاتَ لَيْلَتَهُ الأُولىَ هُنَاك في بَيْتٌ يَهًودِي. هَذِهِ اللَّحْظَةُ لَمْ تَكُنْ صُدْفَةً، بَلْ صَاغَتِ “العَقِيدَةَ السِّيَاسِيَّةَ” لِلْمَخْزَنِ: الارْتِيَابُ مِنَ الرَّعَايَا، وَالِاحْتِمَاءُ بِالأَغْيَارِ. وَمِنْ هُنَا، أَصْبَحَ “يَهُودُ فَاسَ” هُمْ أَصْحَابَ الحَلِّ وَالعَقْدِ، وَتَوَارَثَ المَخْزَنُ هَذِهِ “الجِينَةَ” الَّتِي تَرَى فِي الكِيَانِ الغَرِيبِ ظَهِيراً أَأْمَنَ مِنَ الشَّعْبِ المَغْلُوبِ عَلَى أَمْرِهِ.

إِنَّ مَا نَشْهَدُهُ اليَوْمَ فِي عَهْدِ مُحَمَّدٍ السَّادِسِ مِنِ ارْتِمَاءٍ كَامِلٍ فِي أَحْضَانِ الكِيَانِ الصِّهْيَوْنِيِّ لَيْسَ إِلَّا خُرُوجاً لِعَلَاقَةٍ جِينِيَّةٍ قَدِيمَةٍ مِنَ السِّرِّ إِلَى العَلَنِ. لَقَدْ سَقَطَتْ “وَرَقَةُ التُّوتِ” عَنْ عَوْرَةِ النِّظَامِ الَّذِي كَانَ يَتَسَتَّرُ بِـ “إِمَارَةِ المُؤْمِنِينَ” و”رِئَاسَةِ لَجْنَةِ القُدْسِ”. التَّطْبِيعُ المَغْرِبِيُّ فَاقَ نَظِيرَهُ المِصْرِيَّ وَالأُرْدُنِيَّ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ خِيَاراً دِبْلُومَاسِيّاً، بَلْ تَحَالُفاً وُجُودِيّاً. لَقَدْ أَصْبَحَ المَخْزَنُ وَإِسْرَائِيلُ وَجْهَيْنِ لِعُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ؛ يَشْتَرِكَانِ فِي “عَقِيدَةِ القَلْعَةِ”، وَيَعْتَمِدَانِ عَلَى التَّكْنُولُوجْيَا الأَمْنِيَّةِ لِخَنْقِ أَنْفَاسِ الرَّعَايَا. وَلَعَلَّ الصَّمْتَ المَخْزَنِيَّ إِزَاءَ تَهْدِيدَاتِ الصَّهَايِنَةِ لِلْجَارَةِ الجَزَائِرِ مِنْ قَلْبِ المَغْرِبُ هُوَ الخَتْمُ النِّهَائِيُّ عَلَى هَذِهِ التَّبَعِيَّةِ الجِينِيَّةِ.

وَبِالبَحْثِ في سِجِلِّ المَخْزَنِ الدَّمَوِيِّ، يَنْبَلِجُ لَنَا زَيْفُ مَا عُرِفَ بِانْقِلَابَاتِ السَّبْعِينِيَّاتِ (1971م وَ1972م). إِنَّ العَقْلَ لَا يَسْتَسِيغُ كَيْفَ لِطَائِرَاتٍ حَرْبِيَّةٍ أَنْ تَفْشَلَ فِي إِسْقَاطِ طَائِرَةٍ مَدَنِيَّةٍ؛ مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ تِلْكَ الأَحْدَاثَ كَانَتْ مَسْرَحِيَّةً مَخْزَنِيَّةً مِنْ إِخْرَاجِ الحَسَنِ الثَّانِي والمُوسَادْ، لِتَصْفِيَةِ الضُّبَّاطِ الأَقْوِيَاءِ وَإِحْكَامِ القَبْضَةِ عَلَى الجَيْشِ. لَقَدْ حَوَّلَ المَخْزَنُ المُؤَسَّسَةَ العَسْكَرِيَّةَ مِنْ حَامِيَةٍ لِلثُّغُورِ إِلَى قُوَّةٍ مَخْنُوقَةٍ بِالرَّقَابَةِ، خَاصَّةً مَعَ دُخُولِ التَّكْنُولُوجْيَا الصِّهْيَوْنِيَّةِ اليَوْمَ، الَّتِي تَهْدِفُ لِمَنْعِ بُزُوغِ أَيِّ “فِئَةٍ مُؤْمِنَةٍ” قَدْ تُفَكِّرُ فِي الِانْحِيَازِ لِلشَّعْبِ وَإِعْلَانِ الجُمْهُورِيَّةِ.

إِنَّ المَأْسَاةَ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى بَطْشِ النِّظَامِ، بَلْ تَمْتَدُّ إلى خِيَانَةِ المُثَقَّفِينَ أَمْثَالِ أَبِي بَكْرٍ الجَامِعِيِّ وَغَيْرِهِ، مِمَّنْ لَا يَزَالُونَ يَرَوْنَ فِي المَلَكِيَّةِ قَدَراً مَحْتُوماً، وَيَخْشَوْنَ حَتَّى الهَمْسَ بِكَلِمَةِ “جُمْهُورِيَّة”. هَذَا “الخَلَلُ” فِي النُّخْبَةِ هُوَ مَا جَعَلَ المَغَارِبَةَ يَبْقَوْنَ فِي مَرْتَبَةِ “الرَّعَايَا” لَا “الشَّعْبِ”. وَبِالمُقَارَنَةِ مَعَ الشَّعْبِ الجَزَائِرِيِّ، الَّذِي انْتَفَضَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ فِي “حَرَاكٍ” سِلْمِيٍّ بَاهِرٍ لِيُسْقِطَ العُهْدَةَ الخَامِسة، نَجِدُ الفَرْقَ بَيْنَ مَنْ يَمْلِكُ إِرَادَةَ المُواطَنَةِ وَمَنْ لَا يَزَالُ سَجِيناً لِـ”مَلَّاحِ التَّارِيخِ”.

إِنَّ الحَلَّ لَا يكمُنُ فِي الِانْتِظَارِ، بَلْ فِي الطَّرْحِ الجَيِّدِ لِلإِشْكَالِيَّةِ. وَقَدْ قَدَّمَتْ “كَتَائِبُ القَسَّامِ” فِي طُوفَانِ الأَقْصَى الدَّلِيلَ القَاطِعَ عَلَى أَنَّ الذَّكاءَ البَشَرِيَّ وَالإِيمَانَ بِالقَضِيَّةِ يَسْتَطِيعَانِ سَحْقَ أَعْتَى مَنْظُومَاتِ الرَّقَابَةِ الرَّقْمِيَّةِ. إِنَّ المَخْزَنَ المَغْرِبِيَّ، مَهْمَا احْتَمَى بِـ”المَلَّاحِ” أَوْ تَلِّ أَبِيبَ، يَبْقَى نِظَاماً قَائِماً عَلَى الوَهْمِ وَالمَسْرَحِيَّاتِ. وَسَيَأْتِي اليَوْمُ الَّذِي تَتَحَوَّلُ فِيهِ هَذِهِ الرَّعَايَا إِلَى شَعْبٍ يَكْسِرُ القُيُودَ الَّتِي تَصِرُّ فِي مَعَاصِمِ الحُلْمِ، لِيُعْلِنَ نِهَايَةَ “عَهْدِ الغُبَارِ” وَبِدَايَةَ نَهَارِ الحُرِّيَّةِ وَالجُمْهُورِيَّةِ. وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ المَغْرِبِيُّ عَبْدِ اللَّطِيفِ اللَّعْبِيُّ: “قَالُوا عَهْدٌ جَدِيدٌ.. وَلَكِنَّ الرِّيحَ.. مَا زَالَتْ تَحْمِلُ نَفْسَ الغُبار.. وَمَا زَالَ الظَّلَمَةُ يَبْتَسِمُونَ فِي صَدْرِ الإِطَارِ.. أَيُّهَا الوَطَنُ المُسَيَّجُ بِالخَوْفِ وَالمَجَازِ.. مَتَى يَكْبُرُ فِيكَ النَّهَارُ”؟

“الدُّودَةُ” الَّتِي تَنْخُرُ جَسَدَ الدَّوْلَةِ المَغْرِبِيَّةِ اليَوْمَ تَعُودُ إِلَى لَحْظَةِ التَّأْسِيسِ العَلَوِيِّ عَامَ 1666م؛ حِينَ دَخَلَ كَبِيرُهُم السُّلْطَانُ الرَّشِيدُ مَدِينَةَ فَاسَ، فَلَمْ يَسْتَنْصِرْ بِأَهْلِهَا وَلَا بِعُلَمَائِهَا، بَلْ لَجَأَ إِلَى المَلَّاحِ (حَيِّ اليَهُودِ) مُحْتَمِياً بِهِمْ لِتَثْبِيتِ أَرْكَانِ حُكْمِهِ، وَبَاتَ لَيْلَتَهُ الأُولىَ هُنَاك في بَيْتٌ يَهًودِي. هَذِهِ اللَّحْظَةُ لَمْ تَكُنْ صُدْفَةً، بَلْ صَاغَتِ “العَقِيدَةَ السِّيَاسِيَّةَ” لِلْمَخْزَنِ: الارْتِيَابُ مِنَ الرَّعَايَا، وَالِاحْتِمَاءُ بِالأَغْيَارِ.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!