نائب أو مير وربي كبير!
كلـّمني أحد المواطنين هاتفيا، وقال بنبرة الغاضب الواعي: سأترشح هذه المرة لعضوية البرلمان أو على الأقل، وذلك أضعف “الطمع والطاعون”، لمنصب رئيس البلدية أو عضوية المجالس المحلية أو الولائية.. وأضاف الرجل: هذا القرار اضطراري، حتى أتمكن من تسوية مشاكلي مثلما سوّاها الداخلون، بعدما عجزت كمواطن في الاستفادة من الحدّ الأدنى لحقوقي!
الخوف، كل الخوف، أن يكون هذا هو تفكير الأغلبية المسحوقة من الموطنين البسطاء، وفي أغلب الظن، هذا هو التفكير، للأسف، والمسؤولية يتحملها النواب والأميار والمنتخبون أنفسهم، ممّن مثلوا على ناخبيهم بدل أن يمثلوهم ويُدافعوا عنهم، فحرّضوهم على “المعاندة” والتقليد، وطبعا في هذا المسعى فليتنافس المتنافسون!
المصيبة أن الكثير من النواب أول ما يلجؤون إليه، باستثناء القلة، إلى تغيير أرقام هواتفهم، ومنهم من يهجر قريته أو بلديته وولايته، ولا يعود إليها إلاّ إذا عادت الانتخابات، أمّا الأميار والمنتخبون المحليون، فيغيّرون أصدقاءهم وحاشيتهم، ويغيّرون أيضا الطريق الذي كانوا يجتازونه عندما كانوا على الهامش أو مجرّد مواطنين!
هذه الحقيقة هي التي تدفع صاحبنا صاحب المكالمة، وغيره كثير، إلى دخول السباق ومنافسة هؤلاء المتغيّرين، وأغلبهم طبعا من الانتهازيين والوصوليين، وعندما يتحوّل المواطن إلى مجرّد ناخب فقط في خدمة المنتخب، في نظر هذا المنتخب، من الطبيعي أن “يفطن” الناخب ويتفطن ويحلم بأن يجرّب دور المنتخب، مادامت هذه الوظيفة المؤقتة طريقا لحلّ المشاكل وبأثر رجعي!
لا يستدعي الأمر الكثير من التفكير والدلائل، لاكتشاف كيف كان نواب وأميار، قبل دخولهم المجالس المنتخبة، وبعدها، وهنا لا يجب التعميم وتوزيع الشبهة والتهمة بالقسطاس، لكن لا ينبغي أيضا تغطية الشمس بالغربال، والأكيد أن لكلّ مواطن تجربته الخاصة في بلديته!
غياب الرقابة محفـّز لهؤلاء، وأحيانا انسحاب المواطن واستقالته من لعب دوره في المراقبة والمحاسبة، من خلال التبليغ والإخطار، يشجّع المتورطين والمتواطئين على تكرار الانحراف والتجاوز، طالما أن حماته مواطنون يُعيدون انتخابه عند ترشحه، رغم الحصيلة السلبية، ورغم اللاكفاءة ورغم سوء التسيير ورغم نقاط الظل التي تحاصر تحوّل المعني إلى أثرى أثرياء منطقته، بالرغم من أن الأجرة التي يتقاضاها النائب أو المنتخب تبقى مجرّد بقشيش!
الأحزاب والإدارة، تتحمل دون شك وزر ما يحدث خلال عملية الترشيحات وبيع وشراء القوائم، وطالما هناك ما يثير اللذة والشهية، من البديهي أن يسيل اللعاب حدّ الإغراق!