-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نداءات من القلب لمعالجة ظاهرة “الحرقة”

سلطان بركاني
  • 3903
  • 0
نداءات من القلب لمعالجة ظاهرة “الحرقة”

شُغلت المنابر المسجديّة والإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، في الأيام الماضية، بالحديث عن تنامي ظاهرة “الهجرة غير القانونية” إلى الدول الأوروبية، وما صحبها من مآس عاينها وعاشها كثير ممّن اختاروا المغامرة بحياتهم في عرض البحر الأبيض المتوسّط.

وتناقلت المواقع صورا لجثث من غرقوا في طريق “الحرقة” ولفظتهم أمواج البحر إلى الشاطئ، بإزاء مقاطع لشباب ونساء وحتى أطفال ركبوا قوارب الموت وبعثوا برسائل وداع إلى أهاليهم ورسائل امتعاض إلى المسؤولين، خُتمت بأخبار تتحدّث عن موت بعضهم في عرض البحر، وذُيّلت بتعليقات كثيرة؛ بعضها يستنكر الإقدام على مثل هذه المغامرات بقوارب غير آمنة في فصل الشّتاء إلى وجهة لن يجد فيها المغامرون كثيرا ممّا يأملون.

لقد كان لافتا الفصام الواضح بين الحديث المتداول في بعض المنابر المسجدية والإعلامية، ونظيره في مواقع التواصل الاجتماعي؛ فبينما ركّز بعض أئمة المساجد على بيان حرمة “الحرقة” التي تعدّ إلقاءً بالنّفس إلى التهلكة، استنادا إلى فتاوى بعض علماء ودعاة الجزائر في هذا الصّدد، وركّزت بعض المنابر الإعلاميّة على تخويف الشّباب تبعاتِ هذه المغامرة وأخطارَها، ونقلت شهادات لبعض “المهاجرين” الذين ندموا على المغامرة.. 

في مقابل هذا كان شباب مواقع التواصل الاجتماعيّ يُلقون بتبعات هذا الواقع وما يحمله من مآس على المسؤولين الذين غضّوا أبصارهم وصمّوا آذانهم عن معاناة الشّباب الذين أوصدت في وجوه كثير منهم الأبواب، وأصبحت ضروريات العيش، من مسكن وعمل وزواج، أحلاما بل كوابيس تؤرّق أيامهم ولياليهم، في ظلّ تنامي مشاعر اليأس والقنوط في أوساط بعض الجزائريين، على الرغم من إرهاصات عودة “البحبوحة” مع ارتفاع أسعار النفط وتجاوزها عتبة 70 دولارا للبرميل!

 

الخطاب الدينيّ والمسجديّ لمواجهة “الحرقة”

استُدعِي الخطاب الدّيني والمسجديّ إلى معالجة ظاهرة “الهجرة غير القانونيّة”، وحُقّ له أن يتدخّل قبل أن يُستدعى، لكنّ المتابع لما يُدوّن على مواقع التواصل الاجتماعيّ، يدرك أنّ هذا الخطاب زاد في درجة الاحتقان بين الشّباب الذين يفكرون في “الحرقة” وتجشّم مخاطرها، بحثا عن عيش يحفظ الكرامة الإنسانية، في الضفة الأخرى من المتوسّط، ولعلّ السّبب في تنكّر كثير من الشّباب للخطاب الدينيّ المرصود لمعالجة الظّاهرة، هو أنّهم أحسّوا بأنّه خطاب مبرمج وموجّه ولا يضع اليد على الجرح ولا يتطرّق إلى الأسباب الحقيقيّة التي أدّت بالشّباب وحتى الكهول وحاملي الشهادات إلى المجازفة بحياتهم في فصل الشّتاء لعبور المتوسّط. 

لا شكّ في أنّ هذه الأسباب وغيرها ممّا يقدّمه الشّباب مبرّرات لركوب قوارب الموت، يحتاج إلى آذان مصغية من قبل الأئمّة والدّعاة، ليدركوا أنّ خطابهم لمعالجة هذه النّازلة ينبغي أن يكون مؤسّسا وواقعيا ويوجّهَ ليس فقط إلى الشّباب ولكن أيضا إلى الجهات التي يريد الشّباب أن تصل إليها نداءاتهم.. كيف يمكن للإمام أن يُقنع شبابا اكتووا بنار البطالة والعزوبية وأصبح حلم الواحد منهم أن يتشرف بلقاءٍ قصير مع مسؤول بسيط يطرح عليه انشغالاته؛ كيف للإمام أن يقنعه بحرمة الهجرة “غير القانونيّة”؟ ثمّ قبل هذا وذاك، كيف لإمام يحلم بأن يحظى بانتداب للعمل في فرنسا لـ5 سنوات أو حتى لصلاة التراويح هناك، أن يُقنع الشّباب بحرمة “الحرقة”؟ 

ولعلّ من المصادفات العجيبة في هذا الباب أنّه وفي هذه الأيام التي يُستدعى فيها الخطاب المسجديّ إلى مواجهة ظاهرة “الهجرة غير القانونية”، تعلن المديريات الولائية للشؤون الدينية والأوقاف عن قائمة الأئمّة الناجحين في المسابقات الجهوية لانتقاء أئمة التراويح في المهجر، في انتظار المسابقة الوطنية التي تجري بين 28 جانفي و1 فيفري 2018م.. الانتداب للعمل في المهجر حقّ من حقوق الأئمّة الذين تتوفّر فيهم الشّروط المطلوبة، يدرّ عليهم فوائد مادية هم في حاجة إليها في ظلّ ما يعانونه مع معضلة الأجور المتدنية التي يتقاضونها، لكنّه من واجبهم أيضا أن تأخذهم الرأفة بالشباب الذين يفكّرون في المجازفة بسبب البطالة التي يكابدونها لسنوات؛ ليس ليُبيحوا لهم المخاطرة بأرواحهم وركوب قوارب الموت لأجل أحلام ربّما تتحوّل إلى كوابيس في الضفّة الأخرى، ولكن ليخاطبوا الشّباب بخطاب واقعي ويخاطبوا المسؤولين أيضا بما يجب عليهم لإنهاء هذه المأساة.

 

الخطاب الدينيّ ومعاناة الشّباب

الشّباب “الحرّاق” يتمنّون للأئمة والعلماء والدّعاة أن يوجّهوا كلامهم ابتداءً إلى المسؤولين ويذكّروهم بمقولة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: “لو ماتت سخلة (عنزة صغيرة) على شاطئ الفرات ضياعاً، لخشيتُ أن يسألني الله عنها”، هذا في عنزة صغيرة، فكيف بشباب تتحوّل أجساد بعضهم إلى طعام للقروش، وتلفظ بعضَها أمواجُ البحر إلى الشّواطئ؟!.. ويتمنّون – أي الشّباب الذين يفكّرون في الهجرة – للسّادة الأئمّة والعلماء أن يتذكّروا قصّة الإمام النووي – رحمه الله – حينما قحطت السّماء في بعض الأعوام، فأرسل إليه الظّاهر بيبرس (الحاكم يومها)، ليخرج لصلاة الاستسقاء، فكتب إليه الإمام يقول: “إنّ من شروط صلاة الاستسقاء ردّ المظالم إلى أهلها”، ووعظَه موعظةً قاسية، فقال الظّاهر: من ذا يجرؤ عليّ!؟ ومن هو؟! قالوا: الإمام النّووي، شيخ دار الحديث. قال: اقطعوا عنه رواتبه. قالوا: إنّه يتبّرع برواتبه لدار الحديث. فدُهِشَ الظاهر بيبرس دهشة عظيمة، وخشع قلبه، وردّ المظالم، وصام النّاس ثلاثة أيام، ثمّ خرجوا إلى البريّة، ودعا الإمام وأطال الدعاء عقب الصلاة واتّجه إلى الله بقلب منكسر، فنزل المطر على نحو لم تعهده دمشق.

نحن لا نختلف مع إخواننا الأئمّة وإخواننا في المؤسّسات الدينيّة حول حرمة الإلقاء بالنّفس إلى التهلكة، لكنّنا ربّما نختلف معهم في طريقة معالجة الظّاهرة، ونرى أنّ المؤسّسات الدينيّة تُزري بالخطاب الدينيّ والمسجديّ حينما يُلجَمُ الأئمّة أو يختارون بأنفسهم السّكوت عن معاناة الشّباب، فيحسّ الشّباب الحانق بأنّ دور الأئمّة يقتصر على إبلاغ توصيات المسؤولين إلى رواد المساجد دون أن يهتمّوا بتبليغ معاناة الشّباب – خاصّة – إلى الجهات المسؤولة.. الخطاب الديني والمسجدي ينبغي أن يكون خطابا ناصحا متوازنا يهدف إلى الإصلاح وليس إلى الترقيع وإعطاء المهدئات أو إلى محاكمة طرف دون الآخر.. إنّه لا يحقّ لأحد أن يرى نفسه فوق الخطاب الدينيّ والمسجديّ، وأنّ مقامه أعلى من أن يتوجّه إليه خطاب المنبر، ويستكثر من الأئمة والدعاة أن يوجّهوا إليه خطابهم ولومهم وعتابهم.. ليس يجوز للإمام والداعية أن يحرّض طرفا على آخر، أو يزيد الشّباب يأسا وقنوطا، لكن من واجبه أن يقول الحقّ وينصح للخلق، فالنصيحة كما تكون لعامّة المسلمين، تكون أيضا لأئمّتهم أي حكامهم ومسؤوليهم.

 

أيها الشّباب.. حياتكم غالية فحافظوا عليها

إخواني الشّباب.. مهما كانت ظروفكم التي تكابدونها في بلدكم، صعبة ومعقّدة، ومهما أوصدت أمامكم الأبواب، فلا تنسوا أبدا أنّ بلدكم لن يخلو من خيّرين تهمّهم مصلحتكم، مهما كانوا قلّة، ولا تنسوا أنّكم تعيشون في بلد مسلم يُرفع فيه الأذان على مسامعكم وتأنسون بسماعه 5 مرّات كلّ يوم، وتجدون من حولكم من يبعث في قلوبكم الأمل، ويذكّركم بأنّ الرّزق بيد الله، وأنّه لو كتب –سبحانه- للواحد منكم رزقا، فلن يمكنَ مسؤولا ولا وزيرا ولا رئيسا أن يقطعه أو يحول دون وصوله إليه.. نعم من حقّ الواحد منكم أن يسعى في الأرض ليكسب رزقه ولو كان في الصّين، لكن ليس بتعريض نفسه إلى التّهلكة، وليس بالهجرة إلى بلدان تُفتح لكم فيها قليل من أبواب الرّزق وكثير من أبواب الفتن.. فسادُ الواقع ليس مبرّرا للهروب من المواجهة.. في وسع كلّ واحد منكم أن يفكّر في حلول وبدائل تناسبه وتناسب واقعه، ويستعين بالله في تحقيقها خطوة خطوة، دون أن يعرّض حياته الغالية للخطر.. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!