نفسه منه في عناء.. والنّاس منه في راحة
عنوان المقال، هو عبارة وردت في خطبة ارتجلها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عندما طلب منه أحد أصحابه أن يصف له المتّقي، فجمع له من أنفس الدّرر وأبلغ الحكم، في كلمات رائعة نافعة، أبانت عن أهمّ ما يتّصف به المتّقي الذي ينشغل بنفسه فيفتّش عن عيوبها ونقائصها، ويشغل أوقاته بإصلاحها وتقويمها، حتّى لا يجد وقتا لمراقبة الناس والتفتيش عن عيوبهم فضلا عن أذيتهم؛ فشغله بنفسه يجعل النّاس يرتاحون من انشغاله بهم، فلا يرون منه إلا كلّ خير.
النّفس أمّارة بالسّوء، ميّالة إلى اكتساب الآفات والعيوب، وهي كالطّفل إن أُهمل شبّ على اللهو والعبث وإضاعة الوقت وحبّ الرّاحة.. لذلك فالمؤمن التقي لا يغفل عن نفسه، ولا يمنحها الفرصة لتشغله بأهوائها، بل يشغلها بما يصلحها وينفعها في معاشها ومعادها، ويحاسبها محاسبة الشّريك لشريكه، بل ينظر إليها على أنّها شريك خوّان، متى غفل عن محاسبته ذهب بماله وأورده الخسران.. يقول النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: “الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله” (الترمذي وابن ماجه)، ويقول الحسن البصري -رحمه الله-: “لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه: ماذا أردتِ تعملين؟ وماذا أردتِ تأكلين؟ وماذا أردتِ تشربين؟ وإن الفاجر يمضي قدمًا ما يعاتب نفسه”، ويقول مالك بن دينار -طيّب الله ثراه-: “رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل، فكان لها قائدا”.
نفس العبد التقي في تعب دائم، تعاني حرمانها من أهوائها وكثير من شهواتها، وتكابد شدّة محاسبته لها على الصّغيرة قبل الكبيرة؛ فهو يحاسبها قبل العمل لينظر هل العمل صالح أم فاسد، فإن كان صالحا نظر هل تريد به نفسه وجه الله والدّار الآخرة أم إنها تطلب الحظوة والمدح عند النّاس؟ ثمّ يحاسبها أثناء العمل ليكون تاما وفي وقته وبشروطه، ثمّ يحاسبها بعد العمل على الخلل والتقصير إن وجد.. ومع هذا وذاك يحاسب نفسه بين الحين والآخر: هل ارتقت في مدارج الصّلاح والعلم والتقى أم إنّها تراوح مكانها، فلا يرضى لها بأن تكون في غدها مثلها في أمسها.. وهو بكلّ هذا دائم الشّغل بنفسه، لا يجد وقتا لينشغل بغيره، فالنّاس منه في راحة تامّة، لا همّة له في غيبة ولا وقت له لحسد أو حقد.. يوم الحساب بين عينيه والميزان أمام ناظريه، وقول الله تعالى: ((وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيل)) يملأ عليه جوانحه، وقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده” يكبح جماح جوارحه.
هذا ما كان عليه الأوّلون، حينما وطّنوا أنفسهم على أنّ الدّنيا ممرّ وليست مقرا وأنّ الأعمار أقصر من أن تحرق في شغل الأنفس بالتنافس على الحطام الفاني وفي مزاحمة النّاس ومخاصمتهم لأجل حظوظ زائلة، وكان شعار الواحد منهم: “من نافسك في الآخرة فنافسه، ومن نافسك في الدّنيا فألقها في نحره”، لذلك ندرت بينهم الخصومات والنّزاعات وأمن بعضهم بعضا على الأنفس والأموال.. ومن روائعهم في ذلك ما رواه أهل السير عن أبي بكر الصدّيق حينما عيّن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- قاضيًا على المدينة، فمكث عُمَر سنة لم يفتح جلسة، ولم يختصم إليه اثنان، فطلب من أبي بكر إعفاءه من القضاء، فقال له أبو بكر: أ من مشقة القضاء تطلب الإعفاء يا عمر؟! قال: “لا يا خليفة رسول الله، ولكن لا حاجة لي عند قوم مؤمنين، عرف كل منهم ما له من حق فلم يطلب أكثر منه، وما عليه من واجب فلم يُقصِّر في أدائه. أحب كل منهم لأخيه ما يحبه لنفسه. إذا غاب أحدهم تفقدوه، وإذا مرض عادُوه، وإذا افتقر أعانوه، وإذا احتاج ساعدوه، وإذا أصيب واسوه. دينهم النصيحة، وخلقهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففيم يختصمون؟ ففيم يختصمون؟!”
هذا ما كان عليه الأوّلون، أمّا نحن أهل هذا الزّمان، فقد انقلب لدينا الوضع، وصرنا نزكّي أنفسنا وننافح عنها ونحسن بها الظنّ ونذهل عن عيوبها ونغفل عن محاسبتها، ونلهث خلف أهوائها ونعطيها راحتها، وينشغل كلّ منّا -في المقابل- بمحاسبة غيره، وتتبع عثرات إخوانه وإساءة الظنّ بهم ومحاولة الحطّ من أقدارهم.. كلّ منّا ينظر إلى نفسه على أنّه البريء والمظلوم وصاحب القلب الطيّب الذي يؤذيه ويتنكّر له الآخرون.. نجلس في المجالس فيتحدّث كلّ منّا عن نفسه مادحا ومطريا ومعليا، وربّما يختم كلامه بقوله إنّ عيبه الوحيد أنّه طيّب زيادة عن اللّزوم، وإنّ الآخرين -جميعا- لا يهتمّون به، بل يستغلّون طيبته! فالأقارب أخذوا حقّه، والجيران ظلموه، وزملاء العمل استغلّوه، والأصدقاء خانوه وغدروا به، وهو المَلك الكريم الذي لم يَجُرّ أذى على أحد منهم!
لقد ألفنا هذا الوضع وصارت هذه النّظرة ملازمة لأكثرنا، حتّى لا تكاد تجد من يعترف بتقصيره وأخطائه ويدافع عن إخوانه إلا من رحم الله وقليل ما هم، وهذا الوضع لن ينفعنا في الدّنيا ولا في الآخرة، بل سيشغلنا عن معرفة حقيقة الأنفس التي نحمل بين جنوبنا وعن إصلاحها وتزكيتها وتطويرها، وسيوردنا يوم القيامة موارد لم نكن نتوقّعها، ((وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (الزّمر: 47- 48).
الجُبن دركات، أدناها جبن الإنسان عن مواجهة نفسه، والشّجاعة درجات من أرفعها مواجهة الإنسان لنفسه ونظره إليها من زاوية أخرى، هي الزاوية التي ينظر منها من يعاديه ويخاصمه، بل هي أشدّ حدّة، لأنّ كلّ إنسان يعلم من عيوب نفسه ومثالبها ونقائصها ما لا يعلمه أكثر خصومه حرصا على تصيّد عثراته.