نهاية حرب.. والسلام؟
مع تصديق حكومة الكيان على اتفاق شرم الشيخ، تكون حرب الإبادة على وشك أن تضع أوزارها، رغم ما يُنتظر من عراقيل ومطبات أمام مسار طويل لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.
مسار قد بدأ، وقد يجري تطبيقه على نحو ما، وهذا ما يمكن التوقف عنده، والعالم كله يتنفس الصعداء، فضلا عن غزة الشهيدة.
غزة تنتصر رغم الداء والأعداء، ورغم التشكيك والتقليل من أهمية عامين من المقاومة التي لم يعرف لها سابق ولا مثيل، في الإصرار والإيقاع بالعدو، مقابل آلة جهنمية ضد غزة المحشورة في زاوية المحاصرة منذ عقود: عدوان غاشم من طرف قوة احتلال غاشمة، عنصرية، بغيضة، لا سابق لها، تدعمها أقوى دولة في العالم بلا ضابط ولا رقيب ولا مانع وبلا حدود، سياسيا وعسكريا ودبلوماسيا وإعلاميا.
بقاء شعب غزة على أرض غزة وتحت سمائها والقضاء على حلم تهجير ما بقي منهم، وإنهاء الوجود الفلسطيني على أرض غزة، هو في حد ذاته انتصارٌ لغزة ولكل الشعوب المحبّة للعدالة والحرية والمساواة رغم تجريح الكائدين والقاعدين الذين ينكرون على المقاومة حق الدفاع عن الأرض ومطلب تحرير فلسطين والقدس، وإكبار القضية على مقاومة غير متكافئة وإظهار استحالتها أمام قوة الاحتلال الغاشم ونعتها بكل النعوت. يذكِّرنا هذا، بواقع بلدنا الذي لم يكن أحدٌ تقريبا يصدّق قبل العشرينيات من القرن الماضي أن الجزائر ستتمكن من إخراج العدو المحتل بقوة السلاح. كان هذا المطلب، ضربا من الجنون والمغامرة غير محسومة العواقب، بل وكانت ستُستنكر وتحارَب من طرف الإخوة والأصدقاء قبل العدو”لاستحالة إخراج أمِّنا فرنسا” من البلد. مع ذلك، وبعد كل الانتفاضات الشعبية السياسية والاجتماعية المطلبية السلمية، لم تكن إلا ثورة تحرير مسلحة كفيلة وقادرة على إخراج المحتل المدعوم أطلسيًّا بعد قرابة سبع سنوات ونصف من القتال والجهاد وحرب ضروس ضد أحد أعتى الجيوش العالمية وقتها، وبوسائل بسيطة كبنادق صيد وقطع قديمة من عهد الحرب العالمية الأولى. مليون ونصف مليون شهيد، ودمار لا يوصف في الأرياف ما كان ليُصوَّر كما تُصوَّر اليوم الحروب على المباشر: تدميرٌ شامل لكل الأرياف والأحراش وإحراق الغابات والكهوف والمغارات وتسميمها والإعدامات والمحتشدات والتعذيب والقصف العشوائي وحرق الممتلكات بحيواناتها ودوابها وشجرها وحجرها، بل وباستعمال حتى التجارب النووية والكيميائية على الساكنة، لا تزال إلى اليوم هذه التجارب تكشف عن الوجه الفظيع للاحتلال الفرنسي وعنصريته البغيضة.
مع ذلك، انتصرت الجزائر وخرجت فرنسا الأطلسية المحتلة صاغرة. أليست التجربة الجزائرية ملهمة لتجارب استقلال وتحرُّر كثيرة داخل حركات التحرر الإفريقية والعالمية؟ أليست المقاومة الفلسطينية، بكل أشكالها وأطيافها وألوانها الأيديولوجية الممثلة داخل منظمة التحرير أو خارجها، من هذه القوى التحررية التي استلهمت التجربة الجزائرية؟ أليست المقاومة الإسلامية حماس والجهاد وباقي الفصائل المقاومة اليسارية منها والوطنية والقومية مثالا عن ذلك؟
حماس والجهاد، فصائل مقاومة، وحق المقاومة من أجل الحرية والاستقلال حق مشروع دوليا، إلا من أبى ألا يرى الاحتلال احتلالًا.
عامان من المقاومة وحرب الإبادة والتنكيل، غيّرت العالم، وأعادت النظر في عدة حسابات، ما كانت الولايات المتحدة، الراعي الرسمي والمموِّل لوقودها، أن تقرِّر فجأة إيقافها لولا ما حدث من انفلات وانقلاب في موازين القوى الدولية المناهضة للاحتلال وللإبادة ومحاولة وخوفا من انهيار الكيان عالميا، اقتصاديا وسياسيا ودبلوماسيا وأخلاقيا، واستنزافه وتهديد وجوده ككيان، بفعل التآكل الداخلي وفي أتون لهيب غزة العنيدة الصابرة المصابرة المحتسبة التي أبهرت العالم.