نُفرْنِسكم أو نقصيكم!
إذا كان الدّاعون إلى إصلاح المدرسة الجزائرية في إطار احترام عناصر هويتها، والتفتّح على اللغات العالمية الحيّة دون تحيّز أو إقصاء “أصحابَ إيديولوجيا” كما تصفهم بن غبريط، فإننا نودّ أن نعرف: في أي خانةٍ تصنّف الوزيرة نفسَها وهي تستعين بـ”دُفعات” متتالية من الخبراء الفرنسيين دون غيرهم من خبراء العالم، لوضع ما تسمّيه “الجيل الثاني من الإصلاحات”، وتجبر كلّ المرشحين لمسابقات الأساتذة على الامتحان في اللغة الفرنسية دون غيرها؟
قانونُ عام 2009 يترك الحرية للمرشحين لمسابقات الأساتذة للاختيار بين الفرنسية أو الإنجليزية، فلماذا تتجاهله الوزيرة وتجبر المرشحين على الامتحان في الفرنسية وحدها إذا لم تكن بدورها من “أصحاب الإيديولوجيا”، وهي إيديولوجيةٌ فرنكفونية واضحة للعيان؟ أم أنها تطلق هذه الأوصاف أملاً في تعقيد أنصار العربية والانجليزية ودفعهم إلى الانكفاء على أنفسهم وتركها تنفذ “جيلها الثاني من الإصلاحات” كما يحلو لها ودون أيّ مقاومة؟
المعروف أن قطاعات التعليم والشؤون الدينية والعدالة قد تعرّبت منذ عقود، وأضحت متنفِّسا لكل من يعاني الإقصاء والتهميش في القطاعات التي لاتزال تسيطر عليها الفرنسية بعد 54 سنة كاملة من الاستقلال، ويبدو أن ذلك لم يُرض الوزيرة التي تريد القضاء بأي وسيلة على مكسب تعريب المدرسة وتسليمها للأساتذة الفرنكفونيين بالدرجة الأولى، وإلا ما معنى فرض الامتحان في الفرنسية على مرشحين لمسابقة الأساتذة في مواد اللغة العربية والتربية الإسلامية والتاريخ والجغرافيا، وغيرها من المواد التي لا تحتاج إلى الفرنسية، ومنعهم حتى من الامتحان في الانجليزية؟ أليس الهدف هو إقصاء أنصار العربية والانجليزية والانتقام منهم على اختيار اللغة الأولى في العالم خلال مسارهم الدراسي على حساب الفرنسية؟ أليس الهدف أيضاً هو “ردع” الأجيال المقبلة وتحذيرها من أن اختيار الانجليزية سيكون “عقابه” الحرمان من ممارسة مهنة التعليم؟
إننا أمام ممارساتٍ خطيرة قد تخلّف أفدح الأضرار على صعيد الجبهة الاجتماعية المتوتّرة أصلاً؛ فالممارسات الاقصائية التي دأبت عليها الأقلية الفرنكو تغريبية في التسعينيات، ثم خفّت حدّتُها بعض الوقت، بدأت تطلّ برأسها من جديد بصورةٍ أخرى منذرة بفتنةٍ اجتماعية جديدة.
نقولها مجدّدا: هذا “الجيل الثاني من الإصلاحات التربوية” مثيرٌ للريبة والتوجّس خيفة، مادام “أبطالها” هم “خبراء تدريس العامّية” وكذا خبراء فرنسا تحديداً، ونخشى أن نُصدَم في سبتمبر المقبل بكتبٍ مدرسية جديدة بمحتوياتٍ لا علاقة لها بهوية الملايين من أطفالنا، وأن يُعلَن عن الشروع في فرْنَسة المواد العلمية في التعليم الثانوي أسوة بالمغرب، تحت غطاء الاستعداد للجامعة، ثم تزحف الفرنسية على المواد العلمية في المتوسّط والابتدائي في السنوات القادمة حتى يصل “الجيل الثاني من الإصلاحات” المزعومة إلى هدفها، وهي سلخ التلاميذ عن هويتهم، وحرمانهم من اللغة الأولى في العالم، وفرْنستهم رغماً عنهم.
لا نعتقد أن بن غبريط سيثنيها شيءٌ عن تحقيق أهدافها، مادامت مختلفُ فعاليات المجتمع تكتفي، وعلى استحياء، بردود أفعالٍ انفعالية عابرة، ونقاباتُ التربية لا تتحرّك إلا إذا تعلّق الأمر بمطالب مهنية واجتماعية.