هذه أولويات محافظ “بنك الجزائر”!
البنوك مطالبة بتطبيق إجراء “اعرف زبونك” وتحيين معطيات زبائنها سريعًا
القانون النقدي يلزم “محافظ البنك” بعرض التقرير السنوي أمام نواب البرلمان
استلم محند بوراي، الخميس 3 سبتمبر الجاري، مهامه محافظا جديدا لـ”بنك الجزائر”، خلفا لمحمد لمين لبو الذي انتقل إلى وزارة المالية ضمن التعديل الوزاري الأخير، في مراسيم أشرف عليها لبو نفسه، تنفيذا لتكليف رئيس الجمهورية، وأكد بوراي، الذي شغل إلى غاية سبتمبر الجاري منصب مدير عام بنك الفلاحة والتنمية الريفية “بدر” عقب تسلمه مهامه كمحافظ لبنك الجزائر، التزامه بالعمل مع مختلف الفاعلين في الساحة المصرفية والمالية لمواكبة الحركية الاقتصادية التي تعرفها البلاد.
ومن الملفات التي يفترض أن تعود بقوة إلى واجهة عمل محافظ بنك الجزائر الجديد، علاقة البنك المركزي بالبرلمان، ولاسيما البرلمان الجديد ولجنة المالية والميزانية بالمجلس الشعبي الوطني، التي يُنتظر أن تطلب من محند بوراي الحضور إلى قبة البرلمان وتقديم عرض حول الوضعية النقدية والمالية للبلاد، فالقانون النقدي والمصرفي رقم 23-09 لم يترك هذه العلاقة للمجاملة أو للاختيار، بل نص على أن بنك الجزائر ينشر تقريرا سنويا حول التطورات الاقتصادية والنقدية والمالية، ويعرضه محافظ البنك أمام المجلس الشعبي الوطني، حيث يخضع التقرير للنقاش أمام النواب، ويكتسي هذا الالتزام أهمية أكبر بالنظر إلى الملفات الحساسة التي تقع ضمن صميم عمل البنك المركزي، من التضخم وسعر صرف الدينار واحتياطات الصرف والسيولة إلى القروض والقطاع المصرفي، ويؤكد بنك الجزائر نفسه أن تقريره السنوي يعرض خلال نقاش في المجلس الشعبي الوطني.
كما تمثل أبرز الملفات التي سيواصل بنك الجزائر متابعتها التحول الكبير الذي عرفه حق الصرف من أجل السفر إلى الخارج، خصوصا بعد الانتقال إلى إتاحة الاستفادة منه عبر بطاقات الدفع الدولية، ومن هنا سيكون أمام المحافظ الجديد ملف لا يتعلق فقط بالمنحة السياحية، وإنما بمشروع أوسع، تحويل جزء من تدفقات النقد الأجنبي المخصصة للمسافرين من النقد الورقي إلى أموال إلكترونية قابلة للتتبع والاستعمال عبر البطاقات، وهذا الاتجاه ينسجم مباشرة مع المادة 36 من القانون النقدي والمصرفي، التي تلزم بنك الجزائر باتخاذ تدابير لتسهيل تقديم الخدمات البنكية وتشجيع الشمول المالي، مع الحرص على نشر وسائل الدفع الكتابية وتوسيع شبكة البنوك والمؤسسات المالية عبر التراب الوطني.
ويفتح ذلك أحد أكبر الملفات أمام المحافظ الجديد تقليص الاعتماد على السيولة النقدية وتشجيع الجزائريين على إبقاء أموالهم داخل الدائرة المصرفية، فكلما توسعت البطاقات البنكية والدفع الإلكتروني، وارتفعت قدرة المواطنين والتجار على استعمال وسائل الدفع الحديثة، أصبحت حركة الأموال أكثر قابلية للتتبع، وتراجعت الحاجة إلى تداول الأموال نقدا خارج الجهاز المصرفي والقانون 23-09 وضع أساسا تشريعيا واضحا لهذا التوجه، من خلال تشجيع وسائل الدفع الكتابية وتطوير الشمول المالي، كما استحدث اللجنة الوطنية للدفع التي يشارك فيها بنك الجزائر وقطاعات حكومية وفاعلون من القطاع المصرفي والدفع الإلكتروني، وعليه، سيكون توسيع شبكة الدفع الإلكتروني، وربط التجار بالمنظومة البنكية، وتشجيع البطاقات والدفع عبر الإنترنت، من أهم الأدوات العملية لتقليص الاقتصاد النقدي.
ومن الملفات الثقيلة أيضا المحافظة على احتياطات الصرف وتسييرها بكفاءة، فالقانون 23-09 يمنح بنك الجزائر صلاحيات واسعة في إدارة الاحتياطات الخارجية والعمليات المتعلقة بالذهب والعملات الأجنبية، في إطار المهام المسندة إليه، كما أن الاحتياطي يمثل أداة أساسية لحماية التوازنات الخارجية وتمويل الاختلالات عند الحاجة ودعم استقرار سوق الصرف وبالتالي فإن مهمة المحافظ لن تكون فقط الحفاظ على مستوى الاحتياطات، وإنما إدارة هذه الأصول بطريقة تحافظ على قدرة البلاد على مواجهة الصدمات الخارجية، خصوصا في ظل ارتباط موارد الجزائر الخارجية بدرجة كبيرة بعائدات المحروقات.
أما ملف سعر صرف الدينار، فهو من أكثر الملفات حساسية، فالمحافظ لا يستطيع ببساطة أن يصدر قرارًا إداريا بـ”رفع قيمة الدينار”، لأن سعر الصرف يتأثر بجملة واسعة من المتغيرات، من بينها التضخم، ميزان المدفوعات، احتياطات الصرف، تدفقات العملة الأجنبية، الواردات والصادرات، الثقة في العملة الوطنية، لكن بنك الجزائر يمتلك أدوات تمكنه من التأثير في سوق الصرف والسيولة والكتلة النقدية، كما ينص القانون على دوره في ضبط سوق الصرف وحسن تسيير التعهدات المالية تجاه الخارج.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام بوراي سيكون تقليص الفجوة بين قيمة الدينار الرسمية والقيمة التي يعكسها الطلب على العملة الأجنبية، من دون اللجوء إلى إجراءات قد تستنزف الاحتياطات أو تولد اختلالات جديدة. ويضع القانون استقرار الأسعار في صميم مهمة بنك الجزائر، ولتحقيق ذلك، يمتلك البنك المركزي مجموعة من أدوات السياسة النقدية، من بينها المعدل التوجيهي، عمليات السوق المفتوحة، تسهيلات الإيداع والإقراض، الاحتياطي الإلزامي، إلى جانب أدوات إعادة التمويل والائتمان.
وتسمح هذه الأدوات بالتحكم في مستوى السيولة المتداولة في الجهاز المصرفي والتأثير في شروط التمويل، وبالتالي الحد من الضغوط التضخمية عندما تصبح السيولة والطلب من العوامل التي تدفع الأسعار إلى الارتفاع، ويشير القانون إلى أن بنك الجزائر مكلف بتنظيم الحركة النقدية وضبط السيولة وتوجيه ومراقبة توزيع القرض.
وإذا كان ملف مكافحة تبييض الأموال قد شهد تقدما مهما، فإن ذلك لا يعني انتهاء المهمة، ففي جوان 2026 أعلن فريق العمل المالي “غافي” أن الجزائر أُزيلت من قائمة الدول الخاضعة للمراقبة المتزايدة بعد استكمال خطة العمل وإجراء زيارة ميدانية ناجحة، مع التأكيد على أن الجزائر ستواصل العمل مع مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للحفاظ على التحسينات التي حققتها.
كما أن تقرير المتابعة لعام 2026 وثّق التقدم الذي أحرزته الجزائر في مجالات الإشراف القائم على المخاطر، ومعلومات المستفيد الحقيقي، والتصريحات عن العمليات المشبوهة، والعقوبات المالية المرتبطة بتمويل الإرهاب.
ومن هنا سيكون على بنك الجزائر مواصلة تشديد الرقابة على البنوك والمؤسسات المالية، وتطبيق إجراءات معرفة الزبون “KYC”، وتعزيز تتبع العمليات غير العادية، خصوصا أن بنك الجزائر أصدر في أفريل 2026 التعليمة رقم 04-2026 المتعلقة بإجراء معرفة الزبون المطبق على البنوك والمؤسسات المالية وبريد الجزائر.