هذه “حكايتي” مع الرئيس زروال وقصة ''الشبكة'' المسحورة في مرمى السنيغال
..أمسكت قلمي وضعته جانبا ونظرت في عيني عمي أحمد وهي مغرورقة بالدموع، لم أجد من كلمات أواسي بها الرجل عندما حدثني بألم قائلا: .. خلقوا لي منصبا وهميا حتى يدفعوني إلى التقاعد، كان ذلك أصعب وأمر يوم في حياتي “… قصة خروج عمي أحمد من جهاز الشرطة، حكايته مع المرحوم علي تونسي، لقاءاته مع الرئيس اليامين زروال، سر حكاية الحب والاحترام بينه وبين جماهير ملاعب كرة القدم، مسيرة العروش .. وأسرار أخرى في الجزء الثالث.. تابعوا معنا.
تستمتع وأنت مع عمي أحمد وهو يحدثك عن خليدة تومي زمن كانت مناضلة في حزب الأرسيدي، يتنفس قائلا: آه يا ابنتي كم أتعبتني مسيرات الأرسيدي بالعاصمة، ومسيرات لويزة حنون، لكن أكثر المسيرات التي أرقت نومي مسيرة حركة العروش، ولم أر في حياتي رجلا أتعبني الحوار معه مثل عبريكا .
.
هكذا خطفنا عبريكا لنحمي مباراة الشبيبة من العروش
يصف عمي أحمد واحدة من أصعب المراحل التي مرت عليه خلال فترة عمله والمتمثلة في تكليفه بمهمة إطفاء وإخماد المسيرات العنيفة التي مرت بها الجزائر وأهمها مسيرة العروش .
يتحدث عمي أحمد عن أصعب المسيرات التي مرت عليه وهي مسيرة حركة العروش بالعاصمة بتاريخ 14 جوان2001 والتي كان في مُقدمتها “عبريكا ” يتحدث قائلا: عندما تصادفت مع عبريكا قلت له من أنت رد علي وقال: أنا ممثل القبائل، قلت له: أنت جزائري فرد علي باللغة الأمازيغية متعمدا ذلك .
ثم أجبته بالفرنسية وقلت له: القبائل كانوا ثوارا ومجاهدين ولم نعرف عن القبائل إلا الخير وحب هذا الوطن، فمن أنت لتمثل منطقة القبائل؟
ويتحدث عمي أحمد قائلا: في ثاني لقاء جمعني بعبريكا يوم انتقاله لملعب 5 جويلية ومحاولته تفخيخ المباراة.. حيث جاء عبريكا للملعب بعلم ضخم يحمل الشعار الأمازيغي، وكنت قد علمت بالأمر واتجهت مباشرة إلى بيع التذاكر اوقفته وقلت له ما هذ؟ قالي لي هذا علم، قلت له نحترم الرموز القبائلية فجذورنا كلها أمازيغ، لكنك تريد تسييس مباراة كرة القدم، هذا ملعب وليست مسيرة سياسية يا سي عبريكا .
كان طول العلم حوالي 40 مترا وبدأ يردد في العبارة المشهورة “أولاش سماح أولاش سماح” وكان يريد أن يفتح العلم فنظرت إليه وقلت له هذا العلم لن يفتح، أنت هنا في ملعب كرة قدم وليس لممارسة السياسية وقمت بنقله هو والعلم .
بعدها تدخل “حناشي” لأجل إطلاق سراحه بعد انتهاء مباراة الشبيبة، وفعلا كنت قد قدمت لحناشي وعدا بأني سأترك سراحه، مباشرة بعد المباراة وفعلا تدخل وقتها “كولونال الصادق” وفور نهاية المباراة التي انتهت وقتها بفوز شبيبة القبائل قمنا بحمل أبريكا ونقله خارج العاصمة، لأجل ضمان عدم تحريض أنصار الشبيبة ممن كانوا قد تنقلوا بالآلاف إلى ميدان 5 جويلية لمناصرة الشبيبة،حيث نقل أبريكا إلى غاية مخارج الرغاية .
.
زروال أوقف الموكب الرئاسي في الطريق واستدعاني

يتحدث عمي أحمد عن واحدة من أهم الأحداث التي حدثت له فيروي قصة لقائه مع الرئيس زروال والتي تطرقت فيما بعد إلى صداقة كبيرة، في عام 1995 كلفت بتأمين موكب الرئيس اليامين زروال، وأذكر أن وقتها كان اليامين زروال في طريقه إلى ولاية البويرة، وكإجراء أمني كان الوقت صعبا للغاية فقمت بتأمين الموكب، انطلاقا من توقيف حركة المرور من البويرة إلى العاصمة سيما على محور الأخضرية حيث لم تكن الأوضاع الأمنية حسنة، وحين كان يمر الرئيس لم يكن ير في الطرقات أي سيارة وفجأة توقفت سيارة الرئيس وسأل لماذا الطرقات خالية من السيارات؟
فأعلموه انه اتخذ إجراء أمني بمنع سير السيارات إلى غاية مرور الموكب الرئاسي، حينها نزل اليامين من سيارته وقام باستدعاء المكلف بالأمن وتم استدعائي وقال لي: لماذا أوقفتم حركة المرور؟ أجبته قائلا: نظرا لإجراء أمني قمنا بتوقيف السيارات، فرد قائلا وهو غاضب : لن يتحرك موكب الرئيس قبل أن أرى السيارات تمر بشكل عادي، لا أقبل بأن يبقى المواطنون ينتظرون في سياراتهم حتى أمر أنا .
ومنذ تلك اللحظة كبر الرئيس في عيني، وقمنا باتصالات لترك السيارات تمر وفعلا لم يغادر زروال قبل مرور السيارات.
.
“الشبكة” مسحورة يا عمي أحمد ..
في واحدة من أجمل المُباريات التي يتحدث عنها عمي أحمد يكشف عن مباراة النهائي التي جمعت فريق شبيبة القبائل بأحد فرق السينغال، في إطار نهائي كأس أمم إفريقيا، حيث كان لاعبو الشبيبة، يقتربون من مرمى الفريق السنغالي لكن دون جدوى، كانت كل محاولاتهم تبوء بالفشل، وزاد غضب وصيحات الجماهير، ورأيت القلق والتوتر في عيون المناصرين.
وفجأة بدأ المناصرون يصيحون “الشبكة مسحورة يا عمي أحمد، الشبكة مسحورة ياعمي أحمد”، لم أفهم شيئا، بعدها كان المناصر الوفي للجماهير، “ياماها”، واقفا بالقرب مني، اتجهت إليه، وقلت له: أمسك قارورة ماء ورش القليل منها أمام مرمى الفريق السنغالي، وأنا سأتظاهر بالركض من حولك، وفعلا، دخل المُناصر أرضية الميدان، وتمكن من رش الماء، وقُمت بالتظاهر بمطاردته، ولم تمر سوى خمس دقائق، حتى تمكنت الشبيبة من تسجيل أول هدف، تنفجر الجماهير، وتبدأ في الغناء، (عمي أحمد جبولو مادونا..).
أوقفه وأسأله: ما سر مادونا عمي أحمد، يضحك مطولا، ويجيبني قائلا: في كل مرة تصيح الجماهير باسم فنانة مع اسمي … فمرة مادونا مرة ليلى علوي …
مباراة أخرى يتوقف عندها عمي أحمد، وهي التي جمعت في إطار كأس الجزائر بين فريق شباب باتنة واتحاد العاصمة، بحضور رئيس الجمهورية وقتها اليامين زروال، وعند انطلاق المباراة، بدأ أنصار إتحاد العاصمة يستفزون أنصار باتنة.. لكن هذه المرة فاجأوني وبدأوا يُغنون “عمي أحمد زروال راحت عليه”.
وطبعا وقفت مشدودا واتجهت فورا نحو المناصرين، ونزعت قبعة الشرطة وبدأت أصيح فيهم “ما هذه الأغنية ما هذا الشعار إذا كنتم تحبون عمي أحمد توقفوا عن حشر اسم الرئيس..“
وفعلا سكتت الجماهير…وبدأوا يُغنون “عمي أحمد جيبولو مادونا”… قلت لهم غنوا ما شئتم، لكني لا أريد أن يذكر اسم الرئيس.
رفض عمي أحمد أن يجيبني أي الفرق يناصر، قائلا: أنا لا أناصر أي فريق، أنا أناصر المناصرين، أحب أن أرى الفرحة في عيون المناصرين، أحب أن أسمع صيحاتهم وأهازيجهم.
لكنه قال لي: أجمل المباريات التي كنت أحب حضورها وأستمتع مع المناصرين بها هي مباراة مولودية الجزائر واتحاد العاصمة فالأجواء التي تجمع “الداربي” العاصمي لا نجدها في مكان آخر.
.
زروال عانقني وقال لي: التاريخ سيعطيني الحق

يتحدث عمي أحمد، عن آخر يوم للرئيس زروال في قصر الرئاسة، ومجيء الرئيس بوتفليقة إلى الحكم، قائلا: في آخر يوم للرئيس اليامين زروال تم استدعاؤنا وأنا وقتها كنت مُكلفا باستقدام الرئيس الجديد عبد العزيز بوتفليقة، وعندما حضر بوتفليقة، قام زروال بتوديعنا، واحدا بواحد، أنا لم أستطع أن أتمالك نفسي، بدأت استرجع ذكرياتي مع الرئيس زروال، أذكر أننا ذهبنا في إطار لقاءات عمل جمعت الجزائر والصين، ذهبت مع الرئيس إلى الصين، وكنت مكلفا بالحراسة، استرجعت ذكريات يوم طلب مني الرئيس أن أسمح بسير حركة المرور، يتنهد ثم يُضيف قائلا: زروال كان أسدا من أسود الأوراس، كان سيدا عظيما.
عندما اقترب مني الرئيس عانقته بقوة، ثم قال لي: لا تبك يا عمي أحمد التاريخ سيعطيني الحق.
ويتحدث عمي أحمد عن لقاءات جمعته بالرئيس اليامين زروال، قائلا: مرة زرته في بيته في ولاية باتنة، وكنت في مهمة عمل، قبل أن يدلونا على بيت الرئيس السابق اليامين زروال، فقررت أن أزوره فجأة، وعندما تقدمت للمنزل جاءني الحارس وأخبرته أن يخبر الرئيس بأن عمي أحمد هنا، لحظات لا أكثر نزل الرئيس مُسرعا، وعانقي وكان يوما لا ينسى، زروال كان متواضعا وشهما، كان يحب الجميع، أذكر أنه في حقبة عمله كرئيس، كان يكره أن يسمع حوادث الاغتيالات وكان يتألم، كثيرا، كنا نرى الحزن في عينيه.
.
المرحوم علي تونسي خذلني والمحيطون به منحوني منصبا لا يليق لدفعي للتقاعد

… يجمع يديه، ويتنهد مُطولا، ترى الأسى في عينيه، ثم يتحدث قائلا: هل يُعقل يا ابنتي بعد كل هذه السنين، أنا وغيري من رجال الشرطة.. سايرت مسيرات الشغب بالعاصمة، وقفت في وجه الموت مرات كثيرة، دفعت حياتي ثمنا لهذا الوطن، وأحببت أن أموت لأجل هذا الوطن، هل يعقل في آخر المطاف يمنحوني منصبا وهميا، منصبا أرادوا به أن يدفعوني للتقاعد؟
أقاطعه وأسأله قائلة: أي منصب منحوك يا عمي أحمد؟
يرد قائلا:.. لحظتها رددت على علي تونسي رحمة الله عليه، وقلت له،
يتحدث عن علاقته بالمدير السابق، للأمن الوطني، علي تونسي، قائلا: كانت علاقتي معه جيدة جدا، حد الصداقة، لكن المحيطين به، حاولوا مرات عديدة، أن يوقعوا بيننا وفعلا، عندما ذهبت إلى علي تونسي في مكتبه وقلت له، قائلا: أنا عميد أول للشرطة وهذا المنصب الوهمي لا يساعدني، أفضل دفع ملف تقاعدي.. لقد حان الوقت للرحيل.
يتأسف ثم يٌضيف قائلا: .. أتذكر أن آخر ما قلته لعلي تونسي رحمة الله عليه: سأبقى أدافع عن بلدي إلى آخر رمق، الإرهاب لم يتمكن مني.. لكن يبدو أن الأعداء نجحوا في أن يفرقونا عن بعض.
أخبروني بعدها أن علي تونسي ندم ندما شديدا عندما عرف حقيقة بعض المحيطين به، لكن كان ذلك في الوقت بدل الضائع.
.
الهامل أنصفني وأعاد لي هيبتي ومنحني حجة العمر
في مسيرتي كلها عرفت رجال والرجال معادن، وقفت أمام بومدين، واليامين زروال، وكنت أول من أمن طريق الرئيس بوتفليقة وهو يستلم مقالد الحكم، وآخرون.. لم تسع لي الفرصة في العمل مع اللواء عبد الغني الهامل، لكنه وبمجرد وصوله، وذهاب المحيطين بعلي تونسي، تذكرني الهامل، وقاموا باستدعائي وعُدت مرة أخرى لمُديرية الأمن الوطني، كرموني ومنحني الهامل حجة إلى البقاع المقدسة.
اسمعي يا ابنتي، عندما تعملين في مؤسسة ما، وتفنين عمرك، ووقتك في سبيلها وسبيل الوطن، وبعد 30 سنة من العمل، تخرجين بملف تقاعد دون أن يتذكرك أحد، تشعرين بضيق في صدرك، أنا لم أكن يوما أنتظر، شيئا من بلدي، لكني كنت انتظر فقط كلمة شكر، كان يكفيني في مسيرة عملي، أن تغني الجماهير لي، كان يكفيني أن أسمع نشيد وطني يعلو في ميادين كرة القدم، كنت أرقص فرحا وأغني مع الجماهير “وان تو ثري فيفا لالجيري”، بل أني كنت أحرضهم على الغناء حتى يدفعوا من عزم لاعبينا، كنت أبكي مع المناصرين.
لهذا تألمت وبكيت في داخلي، أن يدفعوني إلى التقاعد، في عهد علي تونسي، لكن الحمد لله، مازال هناك رجال، لقد أبكاني اللواء الهامل عندما تذكرني، وسأبقى أُدين له مدى الحياة.. أخيرا تذكروني.
تركت عمي أحمد، ورغم أن جسده لم يعُد يقوى على المسير فضل أن ينزل معي أدراج بناية أعوان متقاعدي الشرطة بالمرادية، ودعني ثم قال لي: ما قلته أمانة في رقبتك مثلما هذا الوطن حافظنا عليه حافظا عليه.
عُدت إلى مكتبي بمقر الشروق وأنا أحمل ألبوم صور خاصة لعمي أحمد، بدأت أقلب الصور، وأنظر فيها، تستوقفني صورة له تجمعه والرئيس اليامين زروال مُوقعة باسمه الخاص.. فجأة يرن هاتفي إنه عمي أحمد يرد قائلا: سألتني سؤالا ولم أجبك عنه.. من شدة تعلقي بمهنة الشرطة لي ولدان فضلت أن يكونا من رجال الشرطة، أتمنى أن يخدما هذا الوطن، لكني أعتبر كل أفراد الشرطة واحدا بواحد هم أبنائي.. فتحية لكل هؤلاء …