هكذا يقضي أطفال القرى عطلة الصيف في عز العزلة والحر والفقر
تعرف أجواء العطلة الصيفية لدى الأطفال في الجزائر أجواء متباينة، وفي الوقت الذي تتاح لأطفال المدن فرص مهمة لتغيير الأجواء، من خلال رحلات نحو البحر والحدائق وحتى برمجة رحلات جبلية، وهذا وفقا للإمكانات والظروف المتاحة، إلا أن مثل هذه الفرص تبدو قليلة بالنسبة لأطفال القرى والأرياف الذين عادة ما يقضون الصيف على وقع العزلة والحر والفقر، ما يجعلهم أمام حتمية رعي الغنم أو بيع بعض المواد على قارعة الطريق أو السباحة في الوديان والحواجز المائية في أجواء خطيرة وغيرها من المتاعب التي لا يعرف متاعبها سوى أطفال القرى والمناطق المعزولة.
يؤكد الشيخ أحمد رزيق، وهو إمام مسجد ومطلع على احوال شباب مناطق أولاد جحيش وبيطام ببريكة التابعة لولاية باتنة، بان جل أطفال القرى والأرياف يقضون الصيف بين الرعي وممارسة النشاط الفلاحي مع والديهم، مضيفا أن القلة منهم بل المحظوظ من يجد كتابا أو مسجدا لدراسة القرآن أياما معدودات، أما الاستجمام والترفيه عن النفس لأطفال الأرياف والقرى فهو حسب محدثنا ضرب من الخيال، خاصة البحر، لظروف عدة أكثرها المادية للأولياء والخوف عليهم كذلك من الآفات الاجتماعية، من خلال بعض الرحلات الجماعية إن وجدت، مضيفا بالقول: “لا ننسى كذلك أن أطفال القرى والأرياف يستغلون فرصة فصل الصيف لبيع المحاصيل المحلية من أجل توفير مصروف الدخول المدرسي المكلف في ضل بطالة جل الأولياء”. أما الأستاذ عيسى بلخباط فيقول في ذات السياق “فصل الصيف عند الجزائريين وغيرهم من الشعوب فصل العطل والراحة والاستجمام، والترويح عن النفس بعد أشهر من العمل والدراسة”. وحسبه يختلف ميول الجزائريين في كيفية تمضية العطلة، بحكم أن سكان المدن عادة ما تكون المدن الساحلية مقصدهم للاستمتاع بالبحر. أما من لم يتوفر على الإمكانات المادية فعادة يكتفي بالمسابح القريبة من سكناه. في وقت يقضي فيه أغلب سكان القرية أوقاتهم في العمل بالنظر إلى كون الصيف فصل جني المزروعات والثمار المختلفة وحصد القمح وجني الخضروات كالطماطم والفلفل.. والثمار كالمشمش والتفاح والخوخ، ناهيك عن رعي الغنم، وحسب الأستاذ عيسى بلخباط فالانشغال بفلاحة الأرض وغيرها لا عطل فيها وأطفال القرية ككبارها معنيون بالعمل، وإذا توفر لهم هامش من الوقت سعيدهم من ينال فرصة السفر إلى الولايات الساحلية، في حين يكتفي البقية بالسباحة في أحواض المياه المخصصة لسقي البساتين أو الاستمتاع باللعب والمرح وممارسة الهوايات كصيد العصافير وغيرها.
بيع وطاولات الشواء والذرة بحثا عن مدخول يقلل الأزمة
تعرف أيام العطلة الصيفية انتشارا واسعا لعمل الأطفال الذين يسعون لممارسة مختلف الأنشطة لكسب مدخول مادي مؤقت يوظف كمصروف يومي، أو يسخر لمتطلبات الموسم الدراسي والاجتماعي الجديد، وهي الظاهرة التي أخذت أشكال مختلفة، مثل العمل في الحقول والمطاعم والمقاهي والمحلات، وأنشطة أخرى عديدة في القرى والأرياف وحتى في الأحياء الشعبية والطرق الرئيسية والسريعة. فالمتجول في مختلف القرى والطرق المؤدية يقف على ظاهرة فرضت نفسها بصورة ملفتة للانتباه، بسبب لجوء شبان وأطفال في عمر الزهور إلى العمل خلال عطلة الصيف، متحمّلين أشعة الشمس الحارقة أمام طاولات بيع الذرة والشواء وفاكهة الهندي التي تشهد إقبالا كبيرا هذه الأيام، في حين لم يتوان آخرون إلى استغلال الطرق الرابطة بين البلديات وحتى بين الدوائر والولايات المجاورة لتكريس تقاليد في قلي الذرة وبيع عديد المنتجات التي تلقى إقبالا من المارة والزوار، فعلاوة على طاولات الشواء المختلفة، فإن الشبان والأطفال المولعون بالعمل خلال الصيف يلجأون إلى بيع الحليب واللبن والزبدة، في ظل توفر بعض المناطق على المشاتي والمواشي والأبقار، مثل منطقة فسديس وجرمة بباتنة تحتل مرتبة مهمة في إنتاج اللبن وعديد المنتجات الفلاحية من خضر وفواكه تكون محل اهتمام الوافدين والزوار.
أولوية المصروف على حساب الراحة والاسترجاع
وأكد البعض ممن تحدثوا مع “الشروق” بأن عمل الأطفال وكذا تلاميذ الثانوية وطلبة الجامعة خلال فصل الصيف، يتخذ مجالات وأشكال مختلفة، في ظل السعي إلى ضمان مصروف الجيب الذي يغنيهم عناء اللجوء إلى الوالدين، خاصة أبناء العائلات ذوي الدخل المحدود، حيث يفضل الكثير منهم تحمل مشقة العمل وحرارة الشمس الحارقة لتحقيق مبتغاهم الذي يمنح لهم استقلالية مادية ولو مؤقتة، وهذا رغم اعتراف الكثير بمتاعب الأشغال وخطورتها في مثل هذا السن، سواء في الشوارع والبساتين وورشات البناء وعلى حواف الطرق الرئيسية والسريعة، أو في المطاعم والمقاهي والمحلات، ليكون بذلك شعارهم مبني على ضمان مصروف اليوم لمواجهات متطلبات الدخول المدرسي والاجتماعي حتى ولو تطلب ذلك تحمل مشاق العمل وبعض التصرفات السلبية التي قد يتعرضون لها، ولو أن خيار عمل الأطفال يقابل بكثير من الرفض والاستياء من طرف الأئمة والمربين والمختصين في علم النفس والاجتماع، حيث يحذر الكثير من المتتبعين والمختصين من انعكاسات عمالة الأطفال من الناحية الصحية والنفسية، خاصة وأن ذلك يحرمهم من فرصة الراحة والاسترجاع، في وقت يفترض حسبهم أن توظف أيام فصل الصيف في الاستجمام والسياحة والمطالعة والتحضير تدريجيا من الناحية العلمية والمعرفية تحسبا للموسم الدراسي الجديد.
بين ندرة المسابح وشبح الغرق في البحيرات
من جانب آخر، فإن شريحة واسعة من أطفال المناطق المعزولة تلجأ إلى السباحة في الوديان والحواجز المائية، ما يعرضهم لمخاطر بالجملة، يحدث ذلك في ظل استحالة الكثير منهم التمتع بمياه البحر وزرقته، وهو الأمر الكثير ما تسبب في غرق أطفال عز البراءة وآخرون في عمر الزهور، بسبب لجوئهم إلى العوم في البحيرات والحواجز المائية، في ظل غياب البدائل اللازمة وفق آليات الرقابة والمتابعة والاهتمام، ما يخلف الكثير من الكوارث والمآسي، ما جعل الكثير يدعو الجهات المعنية إلى التجند لتفادي كوارث تهدد البراءة في عز الصيف، خاصة في ظل غياب البدائل اللازمة التي تضمن العناية والمتابعة لقضاء أيام العطلة في ظروف مريحة، بدليل أن الكثير من عائلات القرى والمناطق النائية ليس بمقدورها برمجة عطلة سنوية إلى الشمال لزيارة السواحل الجزائرية، ناهيك عن قلة المسابح العمومية التي تضمن هامشا من الراحة والمتعة للشبان، خاصة في المناطق النائية التي يعاني أبناؤها من جحيم العزلة والفراغ الحرمان تحت أشعة الشمس الحارقة، ما يجعل الوديان والحواجز المائية ملاذهم الوحيد للعوم ومعانقة المياه وتغيير الأجواء، يحدث هذا في ظل غياب رقابة الكبار والأولياء، وهو وفي أوضاع تشكل أخطارا بالجملة على أطفال تتراوح أعمارهم بين 8 و 16 سنة. وإذا كان الكثير من الأطفال في مختلف القرى والمناطق الجبلية وحتى الصحراوية يعتبرون العثور على بحيرة أو مياه في الوادي والحواجز المائية بمثابة غنيمة غالية الثمن في عز فصل الصيف، إلا أن الأكثر خطورة، هو عوم بعض الأطفال في أماكن تعج بمياه الصرف الصحي، على غرار ما يحدث في بعض الأحياء الواقعة في قلب المدن، وهذا تحت مبرر عدم القدرة في حجز مكانة للعوم في المسابح التي تشرف عليها البلديات أو مصالح مديرية الشباب والرياضة، وهو الأمر الذي يزيد من حدة الخطر على صحة وحياة أطفال يفتقدون إلى الوعي، ولا يراعون الأخطار المحدقة بهم في أجواء وظروف يصفها الكثير بالمأساوية.
جمعيات تستغل الصيف لتحفيظ كتاب الله والحث على تفادي السلبيات
وبعيدا عن مخاطر العوم في الوديان والحواجز المائية، وكذلك متاعب ممارسة الأطفا لأنشطة وأعمال تفوق سنهم، تحت مبرر البحث عن مصروف الجيب، فإن هناك من يسعى لتوظيف نشاط الأطفال في الطريق الصحيح، وهذا بغية الاستثمار في العطلة الصيفية وتفادي مختلف التبعات السلبية، من ذلك لجوء مدارس وجمعيات إلى الصيف لتحفيظ الأطفال كتاب الله، وهذا إلى غاية موعد الدخول الدراسي والاجتماعي الجديد، يحدث ذلك غالبا بالتنسيق مع مديريات الشؤون الدينية التي تراهن على إنجاح مثل هذه المبادرات، من خلال المدارس القرآنية المنتشرة في مختلف المساجد، إضافة إلى جهود بعض الجمعيات التي تصب مساعيها في ذات الاتجاه. وقد نوه الكثير بالجهود المبذولة في هذا الجانب، بغية استغلال فصل الصيف لتأطير التلاميذ، وحثهم على حفظ كتاب الله، وبالمرة تفادي الغرق في الفراغ الذي كثيرا ما ينعكس بالسلب، بسبب رفقاء السوء الذين تنجم عنهم أعمالا وممارسات سلبية من الناحية الأخلاقية والسلوكية. وفي السياق ذاته دعت العديد من الجهات إلى ضرورة تحرك الأولياء لإنجاح مثل هذه المبادرات، وبالمرة تشجيع أبنائهم على استغلال عطلة الصيف لتعلم كتاب الله حفظا وتفسيرا، سواء لتلاميذ الابتدائي والمتوسط وحتى الثانوي، أو الذين يحضرون لخوض غمار الدراسة مع حلول الموسم الجديد.
مساع من اجل عطلة أحسن لأطفال القرى
يرى الأستاذ عزوز بركاني في حديثه للشروق بأن هناك تغير واضح في واقع قضاء أطفال القرى والأرياف عطلهم السنوية، مؤكدا أنها انتقلت من السلب نحو الإيجاب مقارنة بأطفال المدن، وقال في هذا الجانب: “في السابق كان مصير الأطفال في القرى والأرياف هو التوجه مباشرة للعمل ومساعدة عائلاتهم خاصة في مجال الفلاحة كالرعي وجني مختلف المحاصيل، لكن في السنوات الأخيرة ظهرت نشاطات وتوجه جديد أستطيع أن أصفه بتحرر الطفل في الريف، حيث تنظم رحلات جماعية نحو المدن الساحلية متتالية خاصة مع كثرة وسائل النقل وتحسن شبكة الطرقات”، وقال محدثنا “أصبح الطفل يستمتع ولو نسبيا بالعطلة، بالإضافة إلى أنشطة موازية كتنظيم دورات رياضية خاصة في كرة القدم، مع محافظة العديد من العائلات بعادة مفيدة وايجابية لأبناء الأرياف وهي توجيههم إلى المدارس القرآنية لتحفيظهم القرآن الكريم رغم أنها كانت في السابق أكثر حرصا من طرف العائلات”.
عوامل جوهرية تصنع الفارق بين العطلة في المدن والريف
يؤكد الدكتور رمزي بوبشيش بأن أطفال القرى أو المدن يشتركون في نفس مدة وفترة العطلة الصيفية لكن واقعيا هناك اختلاف في طريقة قضاء العطلة بين المدينة والقرية والريف، مشيرا أن أطفال المدن يجدون أمامهم مختلف المرافق الترفيهية وحدائق التسلية من مدن ألعاب الحركة والألعاب المائية، ما يسمح لهم بقضاء وقتهم في اللعب، كما تتوفر المدن على مرافق رياضية كالمسابح ومرافق الرياضات الفردية بعيدا عن رياضة كرة القدم التي يشترك بينها الجميع مدينة وقرية وتتوفر كذلك المدن على مرافق لتعلم اللغات الأجنبية وتطوير المهارات الدراسية وأغلب هذا في القرى ولا يتمتع به أطفال القرى ورغم هذا قد تمنع الإمكانات المادية أطفال المدن من التمتع بهذا كله، ما يجعلهم يتوجهون للألعاب الالكترونية وما تزرع فيهم من كسل وخمول وآثار سلبية لهذه الألعاب. فتجد أطفال القرى مباشرة أمام الطبيعة والغابات والأحراش مما يسمح لهم حسب محدثنا باللعب في الهواء الطلق والابتعاد عن جو المدينة الملوث، وبالتالي التقليل من خطورة الإصابة بعدد من الأمراض التي يلعب التلوث الجوي والبيئي دورا هاما فيها، وحسب الدكتور مرزي بوبشيش فإن تربة القرى لها دور هام في تعزيز مناعة الطفل القروي منذ الصغر، كما أن الأطفال الذين يعيشون في الريف يقضون وقتا أطول في الهواء الطلق لديهم مهارات حركية أفضل من أقرانهم في مناطق المدن، مشير أنه في مرحلة الطفولة يعد إتقان المهارات الحركية الأساسية إحدى المهام التنموية الرئيسية للطفل التي تساعده في مختلف مهامه المستقبلية في إطار العمل أو في خدمة المجتمع والأسرة.
الدكتور إبراهيم بوزيد
“أطفال المدن الأكثر ضررا والطبيعة بديل هام لأبناء الريف”
يرى الدكتور ابراهيم بوزيد من قسم علم الاجتماع بجامعة ام البواقي بأنه مهما حرم ابن الريف من مكاسبه في قضاء العطلة في ظروف مريحة، إلا أنه ابن المدينة حسبه هو الأكثر تضررا، لأنه حسب قوله فإن المدينة فضاء المقارنة والمنافسة، ويعطي رأيه للشروق قائلا: “في الحقيقة إن البراءة لها حق في الحياة والعيش الكريم كباقي الطفولة في العالم سواء أطفال الريف أو أطفال المدينة، لأن الطموح في العيش الكريم حق مكفول، لكن المفارقة التي نراها في واقعنا اليوم نستطيع القول بأن حلم الاستجمام والترفيه أصبح شيئا من الخيال والتمثل بل والمحاكاة، وللأسف محاكاة واقع مرير قتل البراءة في طموحها سواء براءة الريف أو براءة غلبة المدينة، فلا وسائل ترفيه متاحة ولا استجمام. ما بعث بالبراءة إلى عالم الابتكار التخيلي والإشباع الهوامي الممارس بالقلت والأحواض المائية والوديان، ووصل إلي حد وديان وقنوات الصرف الصحي دون الشعور بالخطر ولا تقديره، لأن الأمر ارتبط بمشاعر الحرمان والبحث عن الحق في الحياة. فكيف نتصور مستقبل هذه البراءة التي حرمت حتى من الإشباع الهوامي بصور نقية صافية صفاء سجيتها ومطالبها، أما الأمر إن كان من باب أخف الضرر فطفل المدينة أشد ضررا من الناحية المعنوية والمادية، لأن المدينة فضاء المقارنة والمنافسة، ولطفل الريف بديل الطبيعة والترويح وتقل فيه المنافسة، لكن يبقى للبراءة حقها في الحياة وصفاء الذهن وحب الحياة، يبقى السؤال المطروح.. كيف يمكننا تصور مخيلة وطموح ونفسية طفل تحاصره القمامة وتحيط به النفايات وتقتل براءته طموحه في الحياة”.