الرأي
رؤية استشرافية من أجل الجزائر

هل انتهت الدولة الاجتماعية؟

محمد سليم قلالة
  • 2365
  • 0
ح.م
مقر وزارة المالية

النقاشات الحادة بشأن قانون المالية 2016، هل هي مجرد تضارب في وجهات نظر اقتصادية بين فرقاء سياسيين لن تلبث أن تزول، أم هي إشارات حاملة للمستقبل عن إمكانية تحول بلادنا عن مفهوم “الدولة الاجتماعية” الذي كرَّسته مواثيقنا الوطنية؟ وإذا كان الأمر كذلك أية آثار سيتركها هذا التحول إذا حدث على مستقبل بناء الدولة الديمقراطية الاجتماعية، وأية دلالة ستأخذها عبارة “في إطار المبادئ الإسلامية” التي ترافق هذا الاختيار باستمرار؟ هل ستمنحه البعد الحامل للخصوصية والقادر على تمكينه من الاستمرار في ظل كل هذا التضارب الحاد حول المفهوم ليس فقط على الصعيد الوطني بل على الصعيد العالمي أيضا؟

بالفعل، إن النقاش حول اجتماعية الدولة أو شموليتها أو ليبراليتها ليس جزائريا أو محليا فحسب بل هو نقاش على الصعيد العالمي، إن على مستوى التنظير الاقتصادي أو الاجتماعي أو على مستوى الخيارات السياسية، وعمر هذا النقاش لا يُحسب بالسنوات إنما بالقرون، وبالأنماط الاقتصادية الكبرى التي عرفتها شتى الحضارات.

الخصوصية الجزائرية ربما في هذا المجال هي أنها أعطت للخيار الاجتماعي للدولة بُعدا لم تُسجِّله أي من الحضارات أو المدارس الفكرية السابقة لقد جعلته “في إطار المبادئ الإسلامية”، وهذه ليست جزئية كما قد يتبادر إلى الذهن، إنما هي تصور متميز عن التصورات الليبرالية أو الاشتراكية أو الاجتماعية المسيحية التي عرفها العالم في القرنين التاسع عشر والعشرين.

لقد حمل بيان أول نوفمبر بحق إلهاما غير مسبوق في هذا المجال يحتاج منا إلى أكثر من وقفة، كما أنه مكَّننا من بُعد مستقبلي ربما لم يتجل لنا إلى اليوم، ذلك أن أكثر النقاشات الجارية بشأن هذه المسألة إنما تنتهي إلى تكريس اجتماعية الدولة أو تجريمها، نادرا ما تبحث في حل ثالث بينهما، أن تكون هذه الاجتماعية في نطاق قيم حضارية أخرى هي قيم “الإسلام“…

ويبدو أننا اليوم نعيش هذه الحالة، فالفرقاء إما يمينيون يريدون التخلي عن وهم “اجتماعية الدولة”، أو يساريون يريدون تكريس هذ المفهوم انطلاقا من المدارس الفكرية والفلسفية الغربية، سواء أكانت شيوعية ماركسية أو ماركسية جديدة أو تروتسكيةأو ماوية أو ليبرالية بمختلف توجهاتها…نادرا ما كانوا متميزين بفكر نابع من إطارنا الحضاري الذي يُعطي البُعد الخاص بنا لاجتماعية الدولة “في إطار المبادئ الإسلامية“.

لم نتمكن للأسف من بلورة هذا المفهوم والتنظير له بعيدا عن تجاذبات الشرق اليساري أو الغرب الليبرالي، أي لم نتمكن من طرحه الطرح الصحيح، الملائم لخصوصيتنا التاريخية والثقافية ولقيمنا الوطنية، وأحيانا نزلنا بمستوى التعامل معه إلى حد أننا أفرغناه من بُعده الثقافي والفكري والحضاري وربطناه بمواقف وخيارات أشخاص يَسهل إدراك أنهم لا يمكن أن يكونوا بأي حال من الأحوال حاملين لأي فكر أو مُنطلقين من أية خلفية لأنهم دون مستوى ذلك بكثير

لقد كان المفكرون الغربيون اليساريون الأوائل من ماركس إلى لينين إلى ماو، ومن تروتسكي إلى غرامشي إلى روزا لوكسمبورغ (المجددون) يدافعون على دور الدولة المركزي في الجانب الاجتماعي، ولا شك أن حركتنا الوطنية كانت ترى في خياراتهم على الأقل تفسيرا لحالة الاضطهاد التي كان يعرفها المجتمع الجزائري،كما أنها كانت تتقاطع في حدود معينة مع طروحاتهم المعادية للرأسمالية التي كانت أداة الاستعمار المضطهِدة للشعب والمستغلة لخيراته… ولا شك أن خيار حركتنا الوطنية للبعد الاجتماعي إنما كان في إطار التعبير عن رفض النظام الرأسمالي وأداته العسكرية، الجيوش الكولونيالية، إلا أنها كحركة تدرك انتماء الأمة الحضاري وإن افتقدت القدرات النظرية لتحيينه أو الاستباق به، لم يكن مطلوبا منها أكثر من أن تضع كل هذا الخيار الاجتماعي ضمن هذا الإطار ليأخذ المعنى الذي يُميِّزه عن الإطار الغربي الذي نشأت ضمنه المدارس الفكرية اليسارية، والشيء ذاته بالنسبة للخيار الديمقراطي، الذي ينبغي ألا يخرج عن نطاق الحضارة، وإلا أصبح خيارا مستوردا لا يمكنه أن يستجيب لخصوصيات مجتمعنا، وكأن بالحركة الوطنية التي اختُزِل نُضجها في بيان أول نوفمبر قد وضعت الأساس لرؤيتنا المستقبلية في مجال خيارنا السياسي: أن يكون ديمقراطيا اجتماعيا في إطار المبادئ الإسلامية.

ما الذي جعلنا نتخلى عن هذه الرؤية ثلاثية الأبعاد والنابعة من معاناتنا التاريخية؟ لماذا نسقط اليوم في فخ الليبراليين المتوحشين أو نستمر في الدفاع عن اجتماعية دولتنا انطلاقا من منظور يساري عفا عنه الزمن؟

لقد انتقد الليبراليون اجتماعية الدولة من آدم سميث إلى دي توكفيل وطوماس جيفرسون  الأوائل، ومن أيين راندAyn Rand الأمريكية وميشال بونسانPoncins الأواخر، اجتماعية الدولة. لقد كان دي توكفيل يقول أن “الدولة الاجتماعية تُشجع طلب المساعدة ـ assistanatـ باستمرار، تُلغي الطبيعة التضامنية الطبيعية لدى الأفراد وتستبدلها بالتضامن من خلال الدولة، كما أنها تُثبِّط عزيمة مُنتجي الثروات” ووصل الأمر بجيفرسون إلى القول “إن الديمقراطية تنتهي عندما نأخذ من الذين يعملون ونُعطي للذين لا يعملون” وتلخص “راند” موقفها الرافض للدولة الاجتماعية في اعتبارها أن هذه الدولة تنتهي في آخر المطاف بالتحول إلى دولة شمولية.”الفرق بين دولة الرفاه ـ الاجتماعية ـ والدولة الشمولية هو مسألة وقت فقط“.

ولا يعدم الليبراليون الحجج لانتقاد الدولة الاجتماعية، فهي أكبر شكل من أشكال التحايل التي عرفها العالم عند البعض، حيث تأخذ من الناس ما عندهم وتعيده لهم في شكل مساعدات وكرم وصدقة، وتسمي ذلك تضامنا، وهي التي توصل الناس إلى حالة عدم القدرة على فعل أي شيء نتيجة الانتظار المستمر للمساعدات، الحقوق…. السكن، العمل، الصحة، التعليم …الخ.

ولعلنا اليوم نعيش هذا  الواقع أو ما يشبهه تماما في ما نراه من استقطاب بين المنظور الليبرالي للدولة والمنظور الاجتماعي، سواء أدركنا ذلك أم لم ندرك، قمنا بذلك عن وعي أو عن غير وعي، وهو ما يتجلى في المدافعين بشراسة على قانون المالية الذي ينحو منحى الليبرالية والرافضين لذلك باعتبار أنه يقضي على اجتماعية الدولة، ولكن ما نسيناه هو كيف نعالج هذه المسألة ضمن إطارنا الحضاري وخصوصيتنا الوطنية.

ولعل هذا هو السؤال المغيّب لحد الآن، والذي يُفتَرض أن تتبناه التيارات الوطنية المدرِكة لطبيعة الرسالة التي تحملها، لا تلك التي تتحرك كدمى في أيدي دُمى أخرى لا تعرف مَن يُحركها.

يبدو أننا اليوم في حاجة حقيقية إلى نقاش حول مستقبل الدولة الاجتماعية في بلادنا، نقاش يأخذ الأبعاد الحضارية بعين الاعتبار، ويقارن بين المقاربات الفكرية المختلفة بعيدا عن كل شخصنة للأوضاع أو ربطها بسياقات سياسية بعينها، أو بحسابات لها علاقة بمستقبل أشخاص في الحكم، إن المسألة تتعلق بمستقبل خيارات دولة على الصعيد الاستراتيجي، وينبغي أن يكون ذلك واضحا على كافة المستويات، لنعرف إلى أين نحن سائرون، لو تعلق الأمر بالإطاحة بفلان أو تغييره بآخر لهان الأمر، كل ما نخشاه أن نفقد القراءة الصحيحة للمستقبل الذي ينتظرنا…

 

مقالات ذات صلة