-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
رؤية استشرافية من أجل الجزائر

هل انتهت الدولة الاجتماعية؟

هل انتهت الدولة الاجتماعية؟
ح.م
مقر وزارة المالية

النقاشات الحادة بشأن قانون المالية 2016، هل هي مجرد تضارب في وجهات نظر اقتصادية بين فرقاء سياسيين لن تلبث أن تزول، أم هي إشارات حاملة للمستقبل عن إمكانية تحول بلادنا عن مفهوم “الدولة الاجتماعية” الذي كرَّسته مواثيقنا الوطنية؟ وإذا كان الأمر كذلك أية آثار سيتركها هذا التحول إذا حدث على مستقبل بناء الدولة الديمقراطية الاجتماعية، وأية دلالة ستأخذها عبارة “في إطار المبادئ الإسلامية” التي ترافق هذا الاختيار باستمرار؟ هل ستمنحه البعد الحامل للخصوصية والقادر على تمكينه من الاستمرار في ظل كل هذا التضارب الحاد حول المفهوم ليس فقط على الصعيد الوطني بل على الصعيد العالمي أيضا؟

بالفعل، إن النقاش حول اجتماعية الدولة أو شموليتها أو ليبراليتها ليس جزائريا أو محليا فحسب بل هو نقاش على الصعيد العالمي، إن على مستوى التنظير الاقتصادي أو الاجتماعي أو على مستوى الخيارات السياسية، وعمر هذا النقاش لا يُحسب بالسنوات إنما بالقرون، وبالأنماط الاقتصادية الكبرى التي عرفتها شتى الحضارات.

الخصوصية الجزائرية ربما في هذا المجال هي أنها أعطت للخيار الاجتماعي للدولة بُعدا لم تُسجِّله أي من الحضارات أو المدارس الفكرية السابقة لقد جعلته “في إطار المبادئ الإسلامية”، وهذه ليست جزئية كما قد يتبادر إلى الذهن، إنما هي تصور متميز عن التصورات الليبرالية أو الاشتراكية أو الاجتماعية المسيحية التي عرفها العالم في القرنين التاسع عشر والعشرين.

لقد حمل بيان أول نوفمبر بحق إلهاما غير مسبوق في هذا المجال يحتاج منا إلى أكثر من وقفة، كما أنه مكَّننا من بُعد مستقبلي ربما لم يتجل لنا إلى اليوم، ذلك أن أكثر النقاشات الجارية بشأن هذه المسألة إنما تنتهي إلى تكريس اجتماعية الدولة أو تجريمها، نادرا ما تبحث في حل ثالث بينهما، أن تكون هذه الاجتماعية في نطاق قيم حضارية أخرى هي قيم “الإسلام“…

ويبدو أننا اليوم نعيش هذه الحالة، فالفرقاء إما يمينيون يريدون التخلي عن وهم “اجتماعية الدولة”، أو يساريون يريدون تكريس هذ المفهوم انطلاقا من المدارس الفكرية والفلسفية الغربية، سواء أكانت شيوعية ماركسية أو ماركسية جديدة أو تروتسكيةأو ماوية أو ليبرالية بمختلف توجهاتها…نادرا ما كانوا متميزين بفكر نابع من إطارنا الحضاري الذي يُعطي البُعد الخاص بنا لاجتماعية الدولة “في إطار المبادئ الإسلامية“.

لم نتمكن للأسف من بلورة هذا المفهوم والتنظير له بعيدا عن تجاذبات الشرق اليساري أو الغرب الليبرالي، أي لم نتمكن من طرحه الطرح الصحيح، الملائم لخصوصيتنا التاريخية والثقافية ولقيمنا الوطنية، وأحيانا نزلنا بمستوى التعامل معه إلى حد أننا أفرغناه من بُعده الثقافي والفكري والحضاري وربطناه بمواقف وخيارات أشخاص يَسهل إدراك أنهم لا يمكن أن يكونوا بأي حال من الأحوال حاملين لأي فكر أو مُنطلقين من أية خلفية لأنهم دون مستوى ذلك بكثير

لقد كان المفكرون الغربيون اليساريون الأوائل من ماركس إلى لينين إلى ماو، ومن تروتسكي إلى غرامشي إلى روزا لوكسمبورغ (المجددون) يدافعون على دور الدولة المركزي في الجانب الاجتماعي، ولا شك أن حركتنا الوطنية كانت ترى في خياراتهم على الأقل تفسيرا لحالة الاضطهاد التي كان يعرفها المجتمع الجزائري،كما أنها كانت تتقاطع في حدود معينة مع طروحاتهم المعادية للرأسمالية التي كانت أداة الاستعمار المضطهِدة للشعب والمستغلة لخيراته… ولا شك أن خيار حركتنا الوطنية للبعد الاجتماعي إنما كان في إطار التعبير عن رفض النظام الرأسمالي وأداته العسكرية، الجيوش الكولونيالية، إلا أنها كحركة تدرك انتماء الأمة الحضاري وإن افتقدت القدرات النظرية لتحيينه أو الاستباق به، لم يكن مطلوبا منها أكثر من أن تضع كل هذا الخيار الاجتماعي ضمن هذا الإطار ليأخذ المعنى الذي يُميِّزه عن الإطار الغربي الذي نشأت ضمنه المدارس الفكرية اليسارية، والشيء ذاته بالنسبة للخيار الديمقراطي، الذي ينبغي ألا يخرج عن نطاق الحضارة، وإلا أصبح خيارا مستوردا لا يمكنه أن يستجيب لخصوصيات مجتمعنا، وكأن بالحركة الوطنية التي اختُزِل نُضجها في بيان أول نوفمبر قد وضعت الأساس لرؤيتنا المستقبلية في مجال خيارنا السياسي: أن يكون ديمقراطيا اجتماعيا في إطار المبادئ الإسلامية.

ما الذي جعلنا نتخلى عن هذه الرؤية ثلاثية الأبعاد والنابعة من معاناتنا التاريخية؟ لماذا نسقط اليوم في فخ الليبراليين المتوحشين أو نستمر في الدفاع عن اجتماعية دولتنا انطلاقا من منظور يساري عفا عنه الزمن؟

لقد انتقد الليبراليون اجتماعية الدولة من آدم سميث إلى دي توكفيل وطوماس جيفرسون  الأوائل، ومن أيين راندAyn Rand الأمريكية وميشال بونسانPoncins الأواخر، اجتماعية الدولة. لقد كان دي توكفيل يقول أن “الدولة الاجتماعية تُشجع طلب المساعدة ـ assistanatـ باستمرار، تُلغي الطبيعة التضامنية الطبيعية لدى الأفراد وتستبدلها بالتضامن من خلال الدولة، كما أنها تُثبِّط عزيمة مُنتجي الثروات” ووصل الأمر بجيفرسون إلى القول “إن الديمقراطية تنتهي عندما نأخذ من الذين يعملون ونُعطي للذين لا يعملون” وتلخص “راند” موقفها الرافض للدولة الاجتماعية في اعتبارها أن هذه الدولة تنتهي في آخر المطاف بالتحول إلى دولة شمولية.”الفرق بين دولة الرفاه ـ الاجتماعية ـ والدولة الشمولية هو مسألة وقت فقط“.

ولا يعدم الليبراليون الحجج لانتقاد الدولة الاجتماعية، فهي أكبر شكل من أشكال التحايل التي عرفها العالم عند البعض، حيث تأخذ من الناس ما عندهم وتعيده لهم في شكل مساعدات وكرم وصدقة، وتسمي ذلك تضامنا، وهي التي توصل الناس إلى حالة عدم القدرة على فعل أي شيء نتيجة الانتظار المستمر للمساعدات، الحقوق…. السكن، العمل، الصحة، التعليم …الخ.

ولعلنا اليوم نعيش هذا  الواقع أو ما يشبهه تماما في ما نراه من استقطاب بين المنظور الليبرالي للدولة والمنظور الاجتماعي، سواء أدركنا ذلك أم لم ندرك، قمنا بذلك عن وعي أو عن غير وعي، وهو ما يتجلى في المدافعين بشراسة على قانون المالية الذي ينحو منحى الليبرالية والرافضين لذلك باعتبار أنه يقضي على اجتماعية الدولة، ولكن ما نسيناه هو كيف نعالج هذه المسألة ضمن إطارنا الحضاري وخصوصيتنا الوطنية.

ولعل هذا هو السؤال المغيّب لحد الآن، والذي يُفتَرض أن تتبناه التيارات الوطنية المدرِكة لطبيعة الرسالة التي تحملها، لا تلك التي تتحرك كدمى في أيدي دُمى أخرى لا تعرف مَن يُحركها.

يبدو أننا اليوم في حاجة حقيقية إلى نقاش حول مستقبل الدولة الاجتماعية في بلادنا، نقاش يأخذ الأبعاد الحضارية بعين الاعتبار، ويقارن بين المقاربات الفكرية المختلفة بعيدا عن كل شخصنة للأوضاع أو ربطها بسياقات سياسية بعينها، أو بحسابات لها علاقة بمستقبل أشخاص في الحكم، إن المسألة تتعلق بمستقبل خيارات دولة على الصعيد الاستراتيجي، وينبغي أن يكون ذلك واضحا على كافة المستويات، لنعرف إلى أين نحن سائرون، لو تعلق الأمر بالإطاحة بفلان أو تغييره بآخر لهان الأمر، كل ما نخشاه أن نفقد القراءة الصحيحة للمستقبل الذي ينتظرنا…

 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • عبدالقادر

    الفاسدون لايمكن لهم ان يصلوحواحتى ولو جاؤوا من الجنة،لان الذي الف الاعتلاف من دون ان يراقب اويحاسب وكلما اخطأعلى في المناصب وزادت مسؤولياته لايمكن ابداان يرجع لانه لم يطرق كالحديد وهو سخن اي لم يتعلم ذلك في شبابه.صدق من قال من شاب على شيءشاب عليه وهوحال نظامنا الحالي الذي لايمكن ان ياتي من وراءاناسه التغيير والاصلاح مهمالغوا وكذبوا ولانهم سيبقون كاذبون حتى ولو صدقوا لغياب ثقة الشعب فيهم.ثقة الشعب هي اساس نجاح اي حكم اونظام وهي لاتكسب الاباحترام ارادةالمواطن وارساءحكم العدل بدولةالمؤسسات والقانون

  • عبدالقادر

    وهل اشباه المثقفين الذين يملؤون اريكات المسؤوليات والمناصب والشياتين يمكن ان يكون لهم بعد نظر وافكارلحل الاشكاليات ذات الابعاد الاستراتيجية؟فهم لم يتسطعوا حتى التنبأبالازمة الاقتصادية التي بدات تعصف بماقاموا من انجازات الفوخ والزوخ وتبذيرللمال العام يمين شمال وخزائن الشعب فيهاعشرات المليارات بل المئات من المليارات من الدولار كانجازات الكرتون التي كلماهطلت الامطار بان عيبها للعيان اومسح ديون بعض دول افريقيامن دون مقابل ول حتى في موقف بسيط منهم مؤيدا لمواقف الجزائر وكذلك العراق الذي هو اغنى منا...

  • بوداود . ف

    مقال عام جدا ......................الدولة هي مؤسسات ادارة ولا توجد دولة اجتماعية او غير اجتماعية
    لان الشأن الاجتماعي من برامج الحكومات المنتخية .................هدا بسيط واضح بدل من تصول وتجول في نظريات فقهية

  • عبدالقادر المواطن

    حقيقة إن المسألةتتعلق بمستقبل خيارات دولةعلى الصعيد الاستراتيجي اساسها العدل والاستقرار.للاسف الشديدمن هوالذي ينظر للاشكالية كماتراها وكمايريدها كل غيورعلى هذاالوطن ومصير شعبه الابي الذي لم يرى طعم الاستقرارمن زمان؟بسبب الاستعمار وماتلاه من مفاسدالنظام.نظام يغير جلده كالثعبان لكنه باقي ولم يتغير فيه الافلان وعلان ومفاسده وصلت لعنان السماءوافسدت عقل الانسان في جزائرالقرن الواحدوالعشرين بدل ماكنا ننتظر ان نكون من احسن دول في افريقياتقدماوتطورا.حقا ان تخلفناراجع لغياب الفكر وبعد النظر الاستراتيجي

  • بدون اسم

    نحن نفتقد للذكاء الاجتماعى ..بمعنى اغبياء لدرجة العدم
    لان الذكاء هو الحضور والحضور يقتضى سد الثغرات الثغرة تعنى الغياب والغياب يشتق منه الغباء وفي حالات اتساع الثغرات تتسع مساحات الغباء ليصل مجتمع من هذا القبيل الى مرحلة العدم الذكاء الاجتماعى يحفز الحضور..وهو مقياس العمر الحقيقى للفكرة وبالتالى على اي اساس تدور الدولة اي فكرتها .. وكيف تسجل حضورها بقوة واي مرحلة يمكن ان نقول نحن دولة فتية كامريكا ام دولة عجوز كاروبا او دول عدم كالعربان
    هل الدوران حول كسب القوت كالعبيد يؤسس لدولة مدنية .

  • محمود

    البعد الإسلامي سلاح ذو حديْن حين تخرج المسائل عن نواقض الوضوء وترقيع الصلاة،مع تقديسي لهما وللطهارة والصلاة.لكن في زمننا لا فعالية سوى للحد الهدام المنسوب ظلما للدين والذي ليس سوى ثمرة عقول أكثرها سقيم جدا، وفكرا معظمه منغلق بامتياز.لو كان الحد الحقيقي موجودا،وهو أيضا من ثمار الفكر والعقل إلا أنه ترجمان الفطرة الإنسانية في بوتقة زمانها ومكانها،لما حصل ما يحصل لنا في الوطنيْن صغيره وكبيره.مهما كانت قتامة مستقبل الدولة الاجتماعية فهي أهون الشرور إلى حد الساعة.نسأل الله أن يأتي بالظروف التي تتمناها

  • بدون اسم

    وهل اسست العربان يوما دولة
    جميع المفكرين ان الفترة الوحيدة التى اسس لمفهوم الدولة الوحيدة هي فترة البعثة المحمدية وانتهت في معركة حطين كما اكد مالك ..حتى ما يقال ان فترة حكم عمر بن عبد العزيز فيها شكوك وكذبة لان فترة حكمه دامت سنتين وهذا الزمن من المستحيل ان يبنى دولة
    الدولة هي الوعي كما جاء محمد بفكرة الاسلام بنى عليها دولة ..والوعي هو الذى يبنى الدولة سنة من سنن الله وضمن سلم دورة الحضرات يجب ان نؤخذ عامل العمر الحقيقى للوعي ضمن نضام الوجود والفراغ والعدم

  • بوعقبة

    هذه السلطة بلغت “سن اليأس”، إنها عاقر بل صارت لا تنتج إلا مزيدا من المشاكل للبلاد والعباد، حتى لم نعد في حاجة لأي نقد لتصرفاتها وقراراتها، فرداءتها وأخطاؤها كفيلة بذلك. الكثير يتساءل اليوم: كيف يختار الوزراء ولماذا؟ وكيف يتخذ قرار إعفاء هذا أو ذاك منهم؟ وعشرات التساؤلات الأخرى، ولكن لا جدوى من هذه الأسئلة، ولا داعي لإضاعة الوقت في البحث عن إجابة لها. فالإجابة الوحيدة هي السلطة، أي رئيس الجمهورية، ولا يهم من يساعده في ذلك. ما يصدر عن رئيس الجهورية هو نتاج مكونات وضع، وهو المسؤول الأول دستوريا

  • بدون اسم

    السؤ التسيير والتخطيط والكفاءة فى الحكم هو السبب مشاكلنا

  • شوشناق

    انا لم انتخب على هذه الحكومة مثل 32 مليون نسمة وكلنا نعلم ان الحكومة الحالية فشلت بكل المقاييس فى تسيير الحكومة فى مدة 16 سنة
    مداخيل GDP الجزائر 300 مليار دولار فى السنة يعنى فى مدة 16 المداخيل فاق 4800 مليار دولار ? اين لانجزات! و اين اموالنا!
    ياسيدى ساليم, فهمنى لماذا عائلتى يفرض عليها ان تقبل القانون التجويع و قانون بيع ثروتنا الى ذكور المال والاجنبى. "والله انا ابن مجاهد ولكن المرحوم توفى وعليه الديون"

    اليس من الحكمة الغاء القانون الاستعمار (الذي قد يؤدي الى ما لا يحمد عقباه)