هل تُتّخذ الأمازيغية أداة للتغريب والإقصاء؟
إثر الاعتراف بالأمازيغية لغة وطنية ورسمية في الدستور المعدّل، سادت الآمال في تنتهي المزايدات بشأن هذا الملف، وأن يصبح عاملَ مصالحةٍ وتعزيزٍ لوحدة البلد وتقوية اللحمة بين الجزائريين، لاسيما بعد أن تُؤَسَّس أكاديميةُ هذه اللغة ويُعَمّم تدريسُها في كل أنحاء الوطن.
لكن هذه الآمال بدأت تتبدّد بعد أن قرّرت وزيرة التربية نورية بن غبريط تعديل مرسوم 2014 المتعلق بمسابقات الأساتذة، وفرض الاختبار في اللغة الفرنسية على جميع المرشحين لتدريس اللغة الأمازيغية في أطوار التعليم الثلاثة، وإقصاء اللغة العربية؟!
ولنا أن نتساءل هنا عن الهدف من هذه الخطوة المُريبة، فقد كان من المنطقي الإبقاءُ على الاختبار في الأمازيغية وحدها، أو الاختبار في العربية والفرنسية معا، فلماذا يُمنح الاحتكارُ للفرنسية وتُقصى العربية؟
التفسير الأرجح لهذا الإجراء هو أنّ الوزارة قد حسمت في مسألة الحرف الذي ستُكتب به الأمازيغية في الولايات الـ32 التي قررت تدريسَ هذه اللغة فيها ابتداءً من سبتمبر المقبل، ورجّحت كفة الحرف اللاتيني على الحرف العربي والتيفنياغ، ولذلك اشترطت الاختبارَ في الفرنسية عمدا وأقصت العربية لإتاحة فرص أكبر للمرشّحين الذين درسوا الأمازيغية في الجامعة بالحرف اللاتيني للنجاح في مسابقة الأساتذة لهذه المادّة، ليقوموا بتدريسها بالحرف اللاتيني في الولايات المعنية، ثم في جميع ولايات الوطن في السنوات القادمة.
الواضح أنّ فرض الفرنسية في مسابقة أساتذة الأمازيغية وتجاهل العربية، سيجعل الآلافَ ممن درسوا الأمازيغية بالحرف العربي، في الأوراس وغرداية وغيرها، يجدون أنفسهم على الهامش، وهم الذين كانوا يعلِّقون الآمال على قرار توسيع تدريس الأمازيغية إلى 32 ولاية لفتح فرص عملٍ جديدة أمامهم بعد أن تعذّر ذلك في ولاياتهم. أليس هذا نوعا من الإقصاء المبرمَج الذي لا يخدم السِّلم الاجتماعي في شيء، في وقتٍ تتحدّث فيه السلطةُ عن الأخطار الأمنية الخارجية الداهمة التي تتربّص بالجزائر وتدعو المواطنين إلى الالتفاف حولها؟
ثم: هل تعي الوزيرة أنها تعرِّض تدريسَ الأمازيغية للفشل وهي ترجّح كفة الحرف اللاتيني على حساب التيفيناغ والحرف العربي؟ أغلب الولايات غير الناطقة بالأمازيغية أو التي يتحدّث بها عددٌ قليل من سكانها سترفض الحرف اللاتيني الذي يرمز إلى التغريب بنظرهم، وستطالب بالحرف العربي الذي لا تريده بن غبريط، ومن ثم، فإنّ تدريس الأمازيغية سيكون معرّضا للفشل مبكرا.
ينبغي للسلطة أن تعي أنّ كتابة الأمازيغية بالحرف العربي سيساهم في انتشارها وتطويرها وتعزيز الوحدة الوطنية وقيم التعايش والأخوّة بين الجزائريين في الوقت نفسه، في حين أنّ تدريسها بالحرف اللاتيني سيكون عامل خلافٍ وتنازع وتنافر… ولذلك نأمل أن تتدخّل وتمنع ما تخطط له بن غبريط من اتخاذ الأمازيغية أداة للتغريب والإقصاء، وما ينجرّ عن ذلك من تصاعد للغليان والاحتقان والتوترات الاجتماعية؛ فالآلاف من حملة ليسانس أمازيغية بالحرف العربي لن يقبلوا هذا التهميشَ والإقصاء من وظيفة تدريسها خارج ولاياتهم، ومختلفُ ولايات الوطن لن تقبل بفرضها عليهم بالحرف اللاتيني، وعلى السلطة إجهاض هذه الفتنة قبل أن تولد وتكبر.