الرأي

هل مات الإنسان فينا؟

محمد سليم قلالة
  • 1825
  • 0

التعامل مع الواقع بجميع مكوّناته وتجلياته يَصنَع مِنَّا بشرا، والتعامل مع القيم بكل ما فيها من عمق روحي وأبعاد معنوية يَصنع مِنَّا الإنسان. اقتصاد السوق قَتل فينا إلى حد بعيد جانب الإنسان، وأبقانا نتصرف كبشر تحكمهم الغرائز والأهواء والطموحات والماديات والبحث عن الربح ومزيد من الربح…

كان دخولنا اقتصاد السوق منذ أزيد من عقدين من الزمن أكثر ضررًا على بُعدنا الإنساني من تَعاملنا لمدة نحو عقدين أيضا مع  الاقتصاد الاشتراكي الموجّه، في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، رغم انطلاق هذا الأخير من قاعدة فلسفية مادية، تَضع القيم المعنوية في البنية الفوقية التابعة حتما للبنية التحية (وسائل الإنتاج وقوى الإنتاج) المحدِّدة لكل تطور أو تغيير… نمط الاقتصاد الاشتراكي كان يَحمل إيديولوجية أكثر مما كان يحمل أفكارا أو قِيما قاتلة لروح الإنسان فينا، لذا لم يكن فتّاكًا ببعدنا الإنساني مثل اقتصاد السوق، عكس ذلك، ولَّد فينا ردة الفعل العكسية التي أنتجت الصحوة والعودة إلى الدين.. أما اقتصاد السوق، وما تبعه من سياسة سوق، ورجال ونساء سوق، فقد طرح كل شيء للبيع والشراء: من الذمم إلى الأعراض إلى القيم، وأصاب بنيتنا القيمة باضطرابات في العمق، حتى كدنا نُعلن حلول زمن موت القيم، وموت الإنسان فينا، لولا هذا الشهر الفضيل.

لولا شهر رمضان المعظم، الذي يهزنا في كل سنة هزًّا، ويجعلنا نبحث بإلحاح عن الإنسان فينا. منا من يجده، ومنّا من يصارع الجانب البشري فيه ليجده، ومنا من يكاد ييأس من أن يتلمسه ذات يوم، لفقدنا كل أمل..

وهكذا تتأكد خطورة ذلك الجانب الخفي من اقتصاد السوق، وتلك السياسة التي استغلته لتصل وتبقى في الحكم، وأولئك السياسيين الذين أصبحوا يعلنون للملأ أن كل شيء يُمكن أن يُباع ويُشترى في هذا البلد، بما في ذلك الذمم والقيم. وتنكشف أمامنا مجموعة البشر الذين اعتبروا أنهم خَدعوا هذا الشعب، وكادوا يعلنون للملأ أنهم حققوا النصر النهائي والأكيد عليه، وأن الإنسان الجزائري قد مات وإلى غير رجعة.

ولولا هذه النفحات الرمضانية التي تغمرنا كل ليلة في كل مكان، ولولا هذا الإقبال منقطع النظير على المساجد وحلقات الذكر، ولولا هؤلاء الشباب الذين يتسابقون لفعل الخيرات في كل مكان، لصدَّقنا قول هؤلاء الناعقين بأن الجزائري قد مات كإنسان، وانتهى كقيم.

الجزائري الإنسان لم يمت، ولن يموت بإذن الله، مادام رمضان يأتي كل عام ليعينه على منع المادة من أن تنتصر عليه.. وتلك مساحة للأمل.

مقالات ذات صلة