-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هموم الدّخول المدرسيّ!

سلطان بركاني
  • 538
  • 0
هموم الدّخول المدرسيّ!

حلّ موعد الدّخول المدرسيّ، بعد أسابيع من هموم ثِقال أوهت كواهل كثير من الآباء، خاصّة أولئك الذين لا يملكون رواتب ولا مداخيل تسعفهم في مثل هذه المواعيد، فضلا عن أولئك الذين يُحصّلون مداخيل متواضعة.. همّ اللباس، وهمّ المحفظة والأدوات المدرسية والكتب: هي هموم، لا مفر لنا من حملها والحديث عنها في بيوتنا ومجالسنا، خاصّة مع هذا الغلاء الفاحش الذي قصم الظهور ودقّ الأعناق وجفّت بسببه الحناجر.
هذه الهموم التي نكابدها ونعانيها مع الدخول المدرسيّ، ينبغي أن نحتسبها لننال الأجر والمثوبة عند من لا يضيع عنده مثقال ذرّة.. إذا كانت اللقمة يضعها الرجل في فم زوجته له بها أجر عظيم، كما قال النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فم امرأتك”؛ فكيف باللقمة التي يحرم منها الرجل نفسه لأجل أن يكسو أبناءه ويهيّئهم للدّراسة؟
نحن مأجورون على بدينار ننفقه على أبنائنا إذا احتسبنا ذلك عند الله ولم نتأفف ولم نتضجّر، وإذا اجتنبنا الإسراف والمخيلة، وكان ما ننفقه فيما أحلّ الله.. ونحن مأجورون على كلّ همّ نحمله ويؤرّق ليلنا، وقد جاء في الأثر: “إنّ من الذنوب ذنوبا لا يكفّرها الصلاة ولا الصيام ولا الحج ولا العمرة، إنّما يكفّرها الهمّ في طلب المعيشة”.
نحن مأجورون، بشرط ألا تشغلنا هذه الهموم عن همّ الآخرة وهمّ الدّين وهمّ الأمّة.. همّ الدخول المدرسيّ يفرض نفسه علينا، لكن لا يجوز أن تكون الألبسة والأدوات المدرسية والكتب هي قصارى همنا، ونحن المسلمين الذين نؤمن أنّ هذه الدّنيا إلى زوال، وأنّها مهما أوكست وآلمت فهي راحلة وفانية، وعمّا قريب سنجتمع نحن وأهلونا وأبناؤنا للحساب، لنسأل عن هذه الأعمار وهذه الأوقات، ولنسأل عن الهموم التي كنّا نحملها.
نحن مأجورون على هموم الكسوة والأدوات، إذا لم تتعدّ هذه الهموم المعقول، وإذا لم تكن على حساب الهمّ الأهمّ، همّ المستقبل الأتمّ والأبقى، همّ الآخرة؛ همّ أبناء يكونون أوعية للعلم بجدّهم واجتهادهم وأخلاقهم وعلوّ هممهم وبُعدهم عن السفاسف والترهات.. إنّها مشكلة أن نحمل هموم الكسوة والكراسات، ويذهب النّوم عن أجفاننا بسبب حاجيات أبنائنا، ثمّ نفاجأ بهم ينظرون إلى الدراسة على أنّها شغل زائد لتمضية الوقت، وإلى المدارس على أنّها أماكن يلتقون فيها للعب والمزاح والعبث.. لنسألِ المشرفين التربويين عن أحوال أبنائنا التلاميذ في ساحات المدارس، ولنسأل الأساتذة والمعلّمين عن سلوك أبنائنا التلاميذ في الأقسام، بل لننظر قبل هذا وذاك إلى هيئات أبنائنا وأحوالهم في الشّوارع وهم متّجهون إلى المدارس ليطلبوا العلم؛ لا تكاد تفرّق بين هيئة وأخلاق تلميذ أو طالب متّجه إلى المدرسة، وبين هيئة وأخلاق شابّ متّجه إلى الملعب أو المقهى أو الأوكار والزوايا المظلمة! لا تزال محنة المظاهر المزرية التي يخرج بها أبناؤنا وبناتنا إلى المدارس، تصنع الحدث مع كلّ دخول مدرسيّ؛ كثير من أبنائنا يخرجون بألبسة غريبة، وبقصّات شعر محيّرة، وكثير من بناتنا يخرجن كأنّهنّ متّجهاتٌ إلى حفلات الأعراس وليس إلى مدارس يتعلمن فيها الأخلاق قبل العلم.. ما عاد كثير من الآباء يهمّهم أو يعنيهم أن يكون لباس فلذات أكبادهم لائقا بأبناء مسلمين يخرجون من بيوت مسلمة!
والأمرّ من هذا أنّ كثيرا من أبنائنا ما عادت الأخلاق تعني لهم شيئا ذا بال؛ حتى غدا التلميذ المتأدّب بآداب الإسلام غريبا بين زملائه، ينظرون إليه على أنّه معقّد ومتخلّف. التلميذ الذي يرفض اللهو واللعب والمزاح في وقت الجدّ والدّراسة أصبح أضحوكة بين خلانه. الطالب الذي يلبس لباسا واسعا محترما أصبح مثارا للسخرية والاستهزاء. والتلميذ الذي يهتمّ بدراسته ويجتهد فيها أضحى مثارا لسخرية زملائه، يصفونه بالقراي والخبّاش، وهكذا!
أبناؤنا أصبحوا يستهزئون حتى بأساتذتهم ومعلميهم، ويصّرون على أن يحوّلوا الحصص الدراسية إلى أوقات للمزاح واللعب وإضاعة الوقت. يرفعون أصواتهم في وجوه أساتذتهم، ويتحدّونهم، ومنهم من لا يجد أيّ حرج في سبّ معلّمه وتهديده!
أمّا الهموم التي يحملها كثير من أبنائنا فحدّث ولا حرج؛ الهمّ الأكبر هو ما تراه أعينهم على شاشات الهواتف وفي الواقع، والشغل الأهمّ عندهم هو تمضية الوقت مع العابثات والحديث عن المغامرات والمواعدات والمراسلات.. الهواتف ومواقع التواصل والفيديوهات سرقت منهم عقولهم وقلوبهم وكلّ أوقاتهم.. ويا ليتها سرقتها لحساب ما ينفعهم ويقيم دينهم ودنياهم! المزاح والضحك أصبحا دينا وديدنا، حتى عاد من النادر جدا أن ترى اثنين من أبنائنا أو شبابنا يلتقيان على أمر جاد. لا تسمع في لقاءاتهم غير القهقهة والصراخ والكلمات السوقية البذيئة.. بل قد أصبحت المخدرات بأنواعها معروفة عند أبنائنا التلاميذ في الابتدائيات فضلا عن الإكماليات والثانويات!
أبناؤنا أصبحوا ينفرون من الجدّ ومن كلّ أمر جادّ معه بعض التعب، وأضحوا وهم في المدارس يتحدّثون عن الدّراسة على أنّها رهان خاسر. لا تسمع منهم إلا قولهم: كاش ما بقات قراية؟ واش تدير بالقراية؟ هام قراو وما دارو فيها والو!
صحيح أنّ الدّراسة في بلدان العالم الثالث لا تفتح للمتدرّج فيها كثيرا من أبواب الدّنيا، ولا يجني بها المال، لكن لا يمكن أن يستوي الناجح والفاشل عند الله ولا عند الناس. لا يستوي من أتمّ دراسته وأتقن مجالا من مجالات العلوم وكوّن نفسه وأصبح يتكلّم بكلّ ثقة في مجاله ويشرح للنّاس إلى أين وصل العالم في مجال تخصّصه، وبين من تسرّب من المدرسة وأمسى عالة على نفسه ووالديه وأمّته، لا يفهم شيئا في هذه الدّنيا، ولا يستطيع أن يكتب جملة صحيحة ومفيدة في ورقة أو على موقع!
هناك كثير من شبابنا جدّوا في دراستهم واجتهدوا، وارتقوا في سلّم الشهادات، وبعد التخرّج لفحتهم البطالة بعض السّنوات، ثمّ فتح الله لهم أبوابه.. الله كريم لا يضيع عمل عامل، حتّى الكافر إذا جدّ في الدّنيا وتعب فإنّ الله يؤتيه جزاءه في الدّنيا. كيف بالمسلم؟ يقول تعالى: ((فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى)).. الله الكريم لا يضيّع عمل من عمل للآخرة، كذلك لا يضيّع عمل من عمل لدنياه. فقط يحتاج العبد إلى الصّبر واليقين في الله.
أمّتنا تمرّ بوقت عصيب ومنعرج حاسم، وهي في أمسّ الحاجة إلى جيل جادّ مجدّ في طلب العلم.. مهما كانت ظروف دولنا التي تنتسب إلى العالم الثالث، فلا ينبغي لأبنائنا أن ييأسوا ويستسلموا.. كم من طلبة تفوقوا في بلداننا وواصلوا دراستهم وهم الآن من أشهر علماء الدنيا في مختلف التخصصات العلمية.. حتّى وإن لم تنتفع بهم بلدانهم، فلعلّ الله يبرم لهذه الأمّة أمرا رشدا وتتغير الأوضاع وتعود الطيور المهاجرة إلى أعشاشها، ونقيم نهضة أمّتنا من جديد.
العالم ما عاد فيه مكان للاعبين والعابثين والزاهدين في العلم.. العالم الآن يتّجه إلى عصر الذّكاء الاصطناعيّ والنانو-تكنولوجي، ولن يكون فيه وزن للمتخلفين عن ركب الحضارة.. رأينا ما حصل في لينان في الأيام الماضية. حينما تمكّن أعداؤنا من ناصية التكنولوجيا؛ أصبحت هذه الهواتف التي لا تفارق أيدينا وجيوبنا بل ولا تبتعد عنّا أثناء النّوم، ونتمتّع بها ونلعب، أصبحت سلاحا يتهدّد حياتنا في أيّ لحظة!
مصيبةٌ أنّ عدد البحوث العلمية المقدّمة في الدول العربية جميعا لا يصل عشر عدد البحوث المقدّمة في دولة غربية واحدة مثل كوريا الجنوبية.. بل أكثر ما يعصر القلوب ألما أنّ عدد البحوث العلمية في الدول العربية مجتمعة لا يصل 7 % من البحوث المقدّمة في الكيان الصهيوني المحتلّ! الكيان الصهيونيّ المحتلّ ينفق أكثر من 5 % من ناتجه القوميّ على البحث العلميّ، بينما أفضل دولة عربية ترصد 0.5 % فقط من ناتجها القوميّ للبحث العلميّ!
فرق شاسع وهوة واسعة. لكن رغم ذلك لا يجوز لنا أن نيأس. بل لا بدّ لأبنائنا من التحدّي. ولا بدّ لنا أن نغرس فيهم الهمّة العالية، ونذكّرهم بأنّ مئات العلماء الكبار الذين يشتغلون الآن في أرقى المخابر ومراكز البحث الغربية قد مرّوا بهذه المدارس التي يدرس فيها أبناؤنا الآن. الفرق فقط في الهمّة والطّموح والتحدّي. العلم النّافع فخر وعزّ وله طعم أحلى من العسل. وإذا أخلص صاحبه النية بأن ينفع نفسه ودينه وأمّته فإنّه يؤجر أجرا أعظم من أجر العابد القائم القانت: يقول النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!