الرأي

هناك أدمغة مهاجرة في الداخل!

محمد سليم قلالة
  • 2295
  • 0
ح. م

كثيرًا ما نتكلّم عن أدمغتنا المُهاجرة في الخارج، عن قيمتها، عن عبقريتها، ونتأسف لأنها غادرتنا إلى غير رجعة، وأنها بدل أن تُساهم في بناء وطنها فضَّلت أو أُرغمت على تكريس كل حياتها لتقدُّم الآخر، إلا أننا كثيرا ما ننسى أن هذه الأدمغة كانت بالجزائر وتجاهلناها، وعادت إلى الجزائر أكثر من مرة وشدَّدنا عليها الخناق لتعود من حيث أتت، بسياساتنا الخاطئة في أكثر من مجال، بمحيطنا المناوئ، بشكوانا غير المحدودة والمُغذية للإحباط، بانبهارنا المزيف بالغرب… والأكثر من ذلك، ننسى أنها كانت بالداخل وتناسيناها، بل إنها كانت في حُكم المهاجِرة داخل وطنها ولم نلتفت إليها ولم نُعرها أي اهتمام…

أدمغتنا المهاجرة في الخارج كانت مهاجرة في الداخل ولم ننتبه إلى ذلك.. ومازالت مهاجرة في الداخل اليوم، وليتنا ننتبه إلى ذلك.

أدمغتنا المهاجرة في الداخل ما أكثرها في كل جامعة من جامعاتنا وفي كل تخصص، بل حتى خارج الجامعات وفي كافة الميادين

أدمغتنا المنسية في الداخل تُعدّ بالآلاف، ولكنها لا تعرف سوى سياسة عدم الاكتراث.

ليس هناك من يشجِّع التفوُّق، وليس هناك من يحتضن العلم، وليس هناك من يشتري براءات الاختراع ويُحوِّلها إلى منتجات، حتى تموت العبقرية أو تنتحر بإرادتها فتتوقف عن العطاء.

عبقريتنا في الداخل هي سرّ قوتنا إذا أردنا لهذه الأمة أن تنهض أو تعرف طريقها نحو التقدم والأمل. هي أغلى ثروة يمكن أن نملك، وأكبر احتياطي استراتيجي يمكن أن نعوّل عليه، أغلى من المحروقات وأكثر من احتياطي الصرف الذي نزعم أنه طَوْق النجاة.

عبقريتنا المهاجرة في الداخل هي طوق نجاتنا..

متى بَحثنا عنها ونَفَضنا عنها غبار التجاهل والتناسي..

متى كرَّست سياسة التعليم العالي وسياسة تشجيع الابتكار كل ميزانيتها لها..

متى تمّ صرف كل هذه الميزانية على المبدعين الحقيقيين وليس على مهمات السياحة وملتقيات المجاملة ومخابر البحث التي لا تبحث إلا على الورق..

متى تم التمييز فعلا بين الباحثين الحقيقيين الذين يمتلكون الكفاءة والمقدرة على الابتكار، وأولئك المزيفين الذين احتكروا المسؤوليات ومنعوا العبقريات من أن تتفجّر..

عندما يتم ذلك، ونُعيد صياغة سياسة فعالة وحقيقية للبحث العلمي، بعيدا عن المجاملات والبحث المزيف، ونضبط بطريقة فعالة ميزانية البحث العلمي لكي لا تُبدَّد في البحث الشكلي ولا تذهب إلى غير المعنيين فعلا بها، سنكتشف حقيقة أن أدمغتنا المهاجرة  في الخارج، التي كثيرا ما نبكيها ونتأسف لها، كانت ذات يوم مهاجرة في الداخل وتركناها غير مكترثين ومازلنا نفعل غير مبالين.

مقالات ذات صلة