والآن.. !
عراك الراعي والخماس حول أرزاق الناس، مازال مستمرا ومتسمّرا داخل بيت جبهة التحرير الوطني، التي لم تفصل بعد في أمينها العام، بعد قرابة الستة أشهر عن الإطاحة بعبد العزيز بلخادم، الذي التزم منذ ذلك التاريخ الهدوء والسكينة، وإن تحوّل إلى تعاطي السياسة عن طريق “العمل السرّي” إمّا بلقاءات “صداقة” في بيته أو بالإيعاز وحشد الأنصار!
بلخادم فهم درس إعلامه بإنهاء مهامه كرئيس للبرلمان بداية التسعينيات، عن طريق التلفزيون، وهو شخصيا قال هذا الكلام، ولذلك، فهو لم يُقاوم الجماعة التي أنهت مهامه كأمين عام للأفلان، بعدما اتهمته بالتخطيط لتكرار سيناريو هروب علي بن فليس، بالحزب وترشحه تحت برنوسه في رئاسيات 2014، التي قصمت ظهره إلى نصفين متناحرين!
سيناريو الأفلان يتقاطع مع ما يجري من ركود وجمود داخل بيت الأرندي، فقيادة التجمّع لم تجد هي الأخرى بديلا يملأ “الثغرة” التي تسبّب فيها قرار إقالة أو استقالة الأمين العام السابق، أحمد أويحيى، الذي اختفى هو كذلك عن الواجهة واكتفى بظهور موسمي متقطع، لم يصنع الحدث مثلما جرت عليه العادة عندما كان الرجل أمينا عاما للحزب أو رئيسا للحكومة!
اتضح الآن حسب أصوات داخل الحزبين وخارجهما، أنه ليس من السهل الممتنع، العثور على بدائل جاهزة لبلخادم وأويحيى، وإلاّ ما الذي يمنع قياداتهما من تعيين أو انتخاب أو فرض أو تزكية أو ترشيح أيّ بديل لغلق الملفّ، وكفى الأفلانيين والأرندويين شرّ “الهبال” والقتال!
عندما يحدث هذا”الفراغ المؤسساتي” داخل “أكبر” حزبين في البلد، وتستشري هذه “الأزمة السياسية”، ويعجز الحزبان عن اختراع رأسين يسيّر كل واحد منهما ويفرض الانضباط والقوانين الداخلية والصرامة، فلا بدّ أن ينتقل الرعب إلى الحزيبات القزمية والنملية التي يتجاوز عدد قيادييها عدد المناضلين والمناصرين والمتعاطفين معها!
قد يكون للطموح و”الطمع” الشخصي وحسابات 2014، و”غنائم” الأفلان والأرندي، أسبابا مباشرة وراء تسريح بلخادم وأويحيى، لكن إبقاء الجبهة والتجمّع بلا “قيادة” واستمرارهما في إطلاق النيران الصديقة والضرب تحت الحزام، لم يكسر زجاج بيتيهما فقط، وإنما تسبب في تشقّق نوافذ وجدران طبقة سياسية مهلهلة و”مبهدلة” ببؤس الأفكار وضحالة المبادرة والقدرة على اقتراح البرامج والحلول!
من الطبيعي أن “تخاف” الأحزاب الأخرى وترسم علامات الاستفهام والتعجّب، وتقاطع الصوم في رجب، فالتسونامي الهائج والزلزال الذي لم تتوقف هزّاته الارتدادية، أرعب كلّ الطبقة السياسية بمواليها ومعارضيها، وأولئك الذين يُمسكون بالعصا من الوسط تفاديا للوقوع في المطبّات والمفاجآت!
لقد انطلق العدّ التنازلي لتنظيم خامس انتخابات رئاسية متعددة في جزائر التعددية، لكن استمرار “غرق” الأفلان والأرندي في فنجان “التخلاط والتخياط”، يُضاعف من المخاوف والتأويلات والتخمينات، بما دوّخ السياسيين والأحزاب ومعهم “المتفرّجين” والكثير من الشهود “ألـّي ما شافوش حاجة”، ويكاد يختلط عليهم التدقيق والتمحيص في ما هو قادم، حتى وإن كان بضرب خطّ الرمل وقراءة الزمياطي!