وردتنا وورودهم
عندما اندلعت الحرب الأهلية في بيروت عام 1975، كان الدمار الشامل هو شعار جميع الفصائل، ولكنهم جميعا من مسلمين ومسيحيين كانوا يتوقفون على عتبات بيت الفنانة فيروز، حتى وصف أحد الصحافيين الإنجليز العاصمة اللبنانية عندما زارها قائلا: “لقد شاهدت أنقاض مدينة كل شيء فيها خراب إلا بيتا واحدا قيل لي أنه لفنانة تدعى فيروز”، وعندما رحلت الفنانة أم كلثوم عام 1975 ترحّم عليها الشيخ محمد الغزالي، وذكرها بمقال رثائي، فاللبنانيون لم ينسوا روائع نسّم علينا الهوى وزهرة المدائن وسنرجع يوما وردّني إلى بلدي، وإخوان مصر لم ينسوا روائع سلوا قلبي وولد الهدى ونهج البردة، رغم أن ذات الفنانتين هما من غنتا أعطني الناي وغني وأنت الحب، واليوم تذبل الوردة التي اختارت “الجزائرية” لقبا لها، ولا نكاد نسمع إلا القليل من ذكر محاسن هذه الفنانة اللبنانية الأم والباريسية المولد والمصرية الموطن والجزائرية القلب والروح والإسم.
نكران المعروف صار أسلوب حياة في الجزائر، ففي الوقت الذي تصرّ مصر على أن كبيرتها أم كلثوم هي كوكب الشرق وسيدة الطرب والهرم الرابع، وفي الوقت الذي تصرّ لبنان على أن كبيرتها فيروز هي الناي الخالد وجارة كل الأودية العربية والعالمية، وتعتبر فرنسا كبيرتها التي ماتت منذ نصف قرن إيديث بياف، برجا أعلى من “إيفيل” وتمنح كندا لكبيرتها “سيلين ديون” مفاتيح السفارات من دون ديبلوماسية، ظلت وردة تواجه الهجوم والتعنيف وفي أخف الأضرار اللامبالاة من الأوساط الثقافية، فكان منطقيا أن تظهر أغان بلا لحن ولا شعر ولا صوت، ومغنون من خريجي السجون ومدمني الممنوعات، رغم أن أحسن ما تغنى به الجزائريون على مدار نصف قرن كان بلسان وردة التي فتحت ديوان أطلس المعجزات للراحل صالح خرفي، وصدحت بأغان لا نظن أن الجيل الحالي والذي يلحقه يجود بمثلها.
احتراف وردة للفن خارج الوطن وتعاملها مع ملحنين وشعراء عرب، لا يختلف عن احتراف دحلب وماجر وفيغولي الكرة خارج الوطن وتعاملهم مع مدربين ولاعبين عالميين، وإذا كانت وزارة الرياضة، قد ارتضت تبذير المال على شبه بطولة، وتوزيع ثروة البلاد على المستثمرين في الأندية في أغرب احتراف في عالم الكرة، فإن وزارة الثقافة استطاعت أن تحول المهرجانات إلى فطريات، وجعلت الجزائر عاصمة لمختلف الثقافات دون أن تتمكن من أن تمنحنا فنانا واحدا، ومازال نصف مثقفينا يُشرّقون نحو مصر ولبنان، والنصف الآخر يُغرّب نحو فرنسا.
صحيح أن وردة الجزائرية، أخطأت في حياتها كما يخطئ الناس أجمعين، وكما أخطأت أم كلثوم وفيروز وداليدا وإيديث بياف، ولكن الصحيح أيضا أنهم جميعا يصرّون على أن يذكروا محاسن موتاهم وأحياءهم، ونصرّ على ذكر مساوئ موتانا وأحيائنا.
في الذكرى العاشرة للاستقلال غنت وردة “عدنا إليك يا جزائرنا الحبيبة”، وفي الذكرى العشرين للاستقلال غنت وردة “عيد الكرامة”، وكلها نغمات الأجيال ترددها، وفي الذكرى الثلاثين ترحمت على الرئيس بوضياف، وتوقفت عن الغناء لمدة عام، وفي الذكرى الأربعين منحت وزارة الثقافة في عهد خليدة تومي، الاحتفالية لصافي بوتلة الذي حرث ملعب الخامس من جويلية، وأخذ أربعة وعشرين مليارا وطار إلى باريس، والآن على بعد أيام من الذكرى الخمسين لا نظن أن هناك من يغني ويقول بيتا واحدا يبقى في الذاكرة إلى غاية السادس من جويلية 2012؟