الرأي

وسقطت آخر ورقة توت عن حنون‮ ..!‬

الشروق أونلاين
  • 5578
  • 0

لطالما أثارت لويزة حنون الحيرة والاستغراب بمواقفها المتقلبة،‮ ‬من السلطة والمعارضة،‮ ‬وصنعت الجدل بخطاب مزدوج،‮ ‬وصفه البعض بـ”النفاق السياسي‮”‬،‮ ‬لكنّ‮ ‬زعيمة حزب العمال لا تجد حرجا في‮ ‬تبريره،‮ ‬ثم الدفاع عن نقيضه لاحقا،‮ ‬حصل ذلك منذ مطلع التعددية في‮ ‬البلاد،‮ ‬نهاية الثمانينات من القرن الفائت‮.‬

‭ ‬بيد أنّ‮ ‬الأخطر في‮ ‬أدبيات التروتسكية الجزائرية،‮ ‬هو خصومتها الدائمة مع مقومات الأمة،‮ ‬حتى صار الشائع بين المواطنين”لتجدّن أشد النّاس عداوة للإسلام والعربية في‮ ‬الجزائر،‮ ‬حنون والذين معها من العلمانيين‮”‬،‮ ‬فهي‮ ‬ما فتئت تتجرّأ على أحكام الشريعة الإسلامية،‮ ‬بشكل سافر،‮ ‬وتجاهر بالاعتراض عليها دون هوادة،‮ ‬حتى لو تعلقت بأدقّ‮ ‬الخصوصيات الدينية والاجتماعية للشعب الجزائري،‮ ‬والتي‮ ‬ارتضاها المسلمون من منطلق الإيمان بالعقيدة،‮ ‬بعيدا عن المذاهب الإيديولوجية أو الولاءات السياسية‮.‬

فلو عدنا قليلا بالذاكرة إلى الوراء،‮ ‬لوقفنا على عديد الاستفزازات الشاهدة على علاقة هذه السيدة بمقومات الهوية الوطنية،‮ ‬فهي‮ ‬التي‮ ‬هاجمت بشراسة المعارضين لنزع الخمار وحلق اللحية،‮ ‬في‮ ‬صور جوازات السفر الالكترونية،‮ ‬واصفة إياهم بـ”طالبان الجدد‮”‬،‮ ‬وادّعت أنهم‮ “‬جاؤوا بديانة جديدة‮”‬،‮ ‬منتقدة رفضهم إجراءات وزارة الداخلية،‮ ‬بل زعمت أنهم‮ “‬قلة‮” ‬ولا‮ ‬يمثلون جميع المواطنين،‮ ‬قبل أن تطالب الحكومة بسنّ‮ ‬قوانين تجرّم‮ “‬التكفير‮”‬،‮ ‬وذلك على خلفية الانتقادات التي‮ ‬طالت موقفها العدائي،‮ ‬ليس تجاه الإسلام فقط،‮ ‬بل في‮ ‬حق الحريات الشخصية التي‮ ‬تدّعي‮ ‬حنون،‮ ‬ومَن على شاكلتها،‮ ‬النضال لتكريسها‮.‬

لكن لم‮ ‬يمض وقت طويل،‮ ‬حتى فضحت الأيام نواياها المبيّتة،‮ ‬ففي‮ ‬الحادثة الشهيرة لمنع طالبة جامعية خلال الموسم الفائت،‮ ‬من دخول الحرم الجامعي،‮ ‬بسبب ارتدائها للباس فاضح،‮ ‬ينافي‮ ‬القوانين المعمول في‮ ‬التزام الآداب العامّة،‮ ‬انتصبت حنون تدافع عنها،‮ ‬بحجة الحريات الفردية،‮ ‬معتبرة ذلك تعديا على الحياة الخاصّة التي‮ ‬يضمنها الدستور،‮ ‬وهي‮ ‬التي‮ ‬أنكرتها قبل سنوات،‮ ‬حينما تعلّق الأمر بوضع الخمار وإعفاء اللحية في‮ ‬صور بطاقات التعريف‮!.‬

أمّا موقف حنون من قانون الأسرة الجزائري،‮ ‬فهو أشهر من نار على علم،‮ ‬فالمرأة اللائكية‮ “‬تحارب‮” ‬لإجهاض القانون منذ منتصف الثمانينات،‮ ‬وهي‮ ‬التي‮ ‬وصفته مرارا وتكرارا بـ”الرجعي‮” ‬و”المتخلف‮” ‬و‮ “‬الظالم‮” ‬للمرأة،‮ ‬لأنه مستمدّ‮ ‬في‮ ‬عمومه من قواعد الشريعة السمحاء،‮ ‬لكنّ‮ ‬حنون تطالب بـ”المساواة‮” ‬في‮ ‬الميراث،‮ ‬وترفض التضييق على الخلع،‮ ‬حفاظا على استقرار الأسرة،‮ ‬كون العصمة في‮ ‬يد الرجل،‮ ‬وهي‮ ‬بكلّ‮ ‬تأكيد،‮ ‬لا‮ ‬يرضيها اشتراط الولّي‮ ‬في‮ ‬الزواج،‮ ‬لأنّ‮ ‬مثل هذه الأحكام تنافي‮- ‬في‮ ‬مذهب التروتسكيين‮- ‬شروط المساواة بين الجنسين،‮ ‬دون أدنى اعتبار لمبادئ العقيدة والشريعة السماويّة‮.‬

مواقف حنون لم تتوقف عند حدود الرفض لقواعد محدّدة من قوانين الأحوال الشخصية،‮ ‬بل ذهبت مباشرة للإفصاح عن عقيدتها الفكرية،‮ ‬إذ أعلنت أنه‮ “‬لا‮ ‬يمكن أن نلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية ونحن في‮ ‬2015‮”‬،‮ ‬وهو نفس الموقف من قبل،‮ ‬مع قضية الإعدام،‮ ‬حيث وصفت الداعين للإبقاء على تنفيذ هذا الحكم في‮ ‬حالات القصاص الشرعي،‮ ‬بـ”المتوحشين‮”‬،‮ ‬ما دفع وقتها المجلس الإسلامي‮ ‬الأعلى للردّ‮ ‬عليها،‮ ‬في‮ ‬بيان إعلامي‮ ‬ساخن،‮ ‬اتهمها بـمعاداة الدين الإسلامي،‮ ‬وقال الشيخ بوعمران عنها‮ “‬السيدة تزعم أن زمن تطبيق الشريعة الإسلامية قد ولى،‮ ‬وذلك‮ ‬يعني‮ ‬عداوة الدين‮”‬،‮ ‬مضيفا في‮ ‬بيانه المذكور”حنون حرة في‮ ‬عقيدتها،‮ ‬ولكن ليس لها الحق في‮ ‬أن تهاجم الإسلام والمسلمين بطريقة عدوانية،‮ ‬وإن كانت قد عوّدتنا على مواقفها المعادية للإسلام،‮ ‬سواء ما تعلق بعقوبة الإعدام أو قانون الأسرة‮”‬،‮ ‬ولعلّه من‮ ‬غريب الصدف،‮ ‬أن وزير التجارة السابق عمارة بن‮ ‬يونس،‮ ‬الذي‮ ‬لقي‮ ‬قرار إبعاده من الحكومة ارتياحا عريضا لدى الرأي‮ ‬العام،‮ ‬بسبب تحريره تجارة الخمور بالتجزئة،‮ ‬لم‮ ‬يجد من‮ ‬يواسيه ويدافع عنه،‮ ‬سوى لويزة حنون،‮ ‬مع أنها فتحت عليه النار في‮ ‬2012،‮ ‬حينما كان على رأس وزارة البيئة،‮ ‬بل اتهمته بأنه‮ “‬رأسمالي‮ ‬متطرف‮ ‬يخدم المصالح الاقتصادية الأجنبية،‮ ‬ويدعو إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل‮”!.‬

أمّا‮ “‬حرب الفساد‮” ‬التي‮ ‬خاضتها بشراسة ضد وزيرة الثقافة المغادرة نادية لعبيدي،‮ ‬فلم تكن برأي‮ ‬العارفين سوى‮ “‬معركة بالوكالة‮”‬،‮ ‬دشّنتها زعيمة حزب العمال وفاء لصديقتها خليدة تومي،‮ ‬ودفاعًا عن وجود لوبيات نافذة،‮ ‬تمثّل مصالح الطرفين فكريّا وماديّا،‮ ‬لتعكس مدى انتصارها لإيديولوجيتها الراسخة،‮ ‬سواء تجسّد ذلك في‮ ‬الترويج للأفكار أو حماية الأشخاص،‮ ‬واليوم تأتي‮ ‬مشكلة العامية،‮ ‬لتسقط آخر ورقة توت عن حنون،‮ ‬وتكشف عن سوءتها القبيحة،‮ ‬فالجهة الوحيدة التي‮ ‬هلّلت لاعتماد الدارجة في‮ ‬التعليم،‮ ‬بل اعتبرتها طريقا للتقدم والازدهار،‮ ‬هي‮ ‬حزب العمال،‮ ‬في‮ ‬حين سكت أكثر خصوم العربية تطرّفا،‮ ‬ولم‮ ‬يساندوا بن‮ ‬غبريط في‮ ‬مسعاها المشبوه،‮ ‬لأنّ‮ ‬حنون التي‮ ‬ترافع وفق‮ “‬مبدأ التقية‮”‬،‮ ‬عن تخليص المدرسة من التجاذبات الإيديولوجية،‮ ‬هي‮ ‬أكثر الساعين لإغراق المجتمع في‮ ‬وحل التغريب ومستنقع الانحلال،‮ ‬عبر مواقفها وقناعاتها المناقضة لقيم الانتماء الحضاري‮ ‬للأمة‮.‬

ومثل هذا الشذوذ،‮ ‬ليس‮ ‬غريبا على حنون،‮ ‬لمن‮ ‬يعرف أدبياتها ومسارها،‮ ‬فهي‮ ‬لم تتوقف‮ ‬يوما عن المطالبة بفرض الأمازيغية على كلّ‮ ‬الجزائريين،‮ ‬لكنها لم تندّد ولو مرّة واحدة،‮ ‬بحال اللغة العربية في‮ ‬البلاد أمام تغوّل الفرنسية في‮ ‬المحيط الرسمي‮ ‬على الأقلّ‮.‬

طبعا لم‮ ‬يكن مطلوبا من سياسية تنحدر من‮ “‬مدرسة الإلحاد‮”‬،‮ ‬وتغرف من مرجعيات تروتسكي‮ ‬وستالين،‮ ‬أن تقوم مدافعة عن الإسلام والعربية في‮ ‬الجزائر،‮ ‬لكنّ‮ ‬الواقع كشف مرارا أن هذه المرأة المخادعة،‮ ‬لطالما عزفت على وتر المشاعر،‮ ‬لتدغدغ‮ ‬عواطف الجماهير،‮ ‬حتى امتدحها‮ ‬يومًا،‮ ‬رجل كاريزمي‮ ‬من قادة التيار الإسلامي‮ ‬عام‮ ‬1991،‮ ‬وهو‮ ‬يقدح في‮ ‬بعض رفاق الدعوة الآخرين،‮ ‬فقال عنها‮ “‬عائشة خير من عيّاش‮”‬،‮ ‬فهل تراه بعد ربع قرن،‮ ‬ما زال على حكمه الأول،‮ ‬وقد كشّرت صاحبته عن أنيابها‮  ‬الحاقدة على دين الشعب ولسانه،‮ ‬في‮ ‬أكثر من مناسبة‮!.‬

القضية مع حنون لا تتعلق فقط بمواقفها المبدئية المسيئة لمقومات الأمة،‮ ‬بل حتى خياراتها السياسية الكبرى محلّ‮ ‬ريبة وشكوك،‮ ‬فهي‮ ‬تبطن ما لا تظهر،‮ ‬ويبقى خطابها تجاه ملفّ‮ ‬المصالحة الوطنية خير دليل على ذلك،‮ ‬فهي‮ ‬لم تتكلم‮ ‬يوما عن الموضوع بهذه الخلفية،‮ ‬بل كانت كلّ‮ ‬تدخلاتها تصبّ‮ ‬في‮ ‬منحى‮ “‬السلم والوئام‮”‬،‮ ‬والفرق واضح بينهما،‮ ‬لأنّ‮ ‬حنون تراوغ‮ ‬الشعب وتناور مع السلطة،‮ ‬ولا تريد أن‮ ‬يفتضح أمرها لدى الرأي‮ ‬العام،‮ ‬باللعب على المكشوف‮.‬

أمّا منتهى”المزاجية السياسية‮”‬،‮ ‬حتى لا نقول شيئا آخر،‮ ‬فهو موقفها من رئيس الجمهورية،‮ ‬فهي‮ ‬تترشح ضدّه في‮ ‬كل استحقاق رئاسي،‮ ‬لكنها ترفض معارضته علنًا،‮ ‬مثلما تنتقد وزراءه،‮ ‬بيد أنها تغضّ‮ ‬الطرف عن رئيس السلطة التنفيذية الأوّل،‮ ‬كأنّ‮ ‬أعضاء الحكومة سقطوا من السماء السابعة‮!.‬

حان الوقت،‮ ‬لتعلم حنّون أنه قد كان في‮ ‬مقدورها أن تكذب على بعض الشعب مرة،‮ ‬وربّما مرّات عديدة فيما مضى،‮ ‬أمّا الآن،‮ ‬فمستحيل أن تستمرّ‮ ‬في‮ ‬كذبها على كل الشعب،‮ ‬وعلى مدار السنة‮!.‬

مقالات ذات صلة