وفاة الموسيقار محمد بوليفة بعد صراع مع السرطان
يوارى الثرى، اليوم، مباشرة بعد صلاة الظهر بمقبرة ڤاريدي، جثمان الفنان والملحن الجزائري الكبير، محمد بوليفة، الذي وافته المنية، أمس السبت، بمستشفى مصطفى باشا، عن عمر يناهز 57 سنة، بعد معاناة مع مرض السرطان، وخضوعه لعلاج كيميائي مكثف.رحل ملحن “بلادي أحبك” وواحد من المساهمين في تلحين “إلياذة الجزائر” ومبدع أوبيرا “قال الشهيد” و”حيزية”.
خسرت الجزائر فنانا أصيلا ومتواضعا عايش الأدباء والشعراء، رحل بوليفة تاركا عائلته وأبناءه الثلاثة إلى غير رجعة، ورصيدا فنيا محترما متشبعا بالوطنية.
توجه ابن منطقة وادي ريغ بجامعة وادي سوف إلى الشعر الشعبي في بداياته الفنية، في وسط إبداعي، تكون على يد السعيد بوطاجين وسليمان جوادي وعاشور فني وعبد العزيز بوباكير وغيرهم من الأسماء التي خطت مسارا مهنيا حافلا. ثم تحول اهتمامه إلى الموسيقى، حيث أبدع غير آبه بالأضواء والشهرة، بل إنه اختار الابتعاد في منتصف الثمانينات وإلى غاية العشرية، بسبب ما وصفه بـ”الانحراف” وبدأ يميل إلى “الاوبيرا” في نهاية الثمانينات، حيث أبدع في مركز الثقافة والإعلام “الديوان الوطني للثقافة والإعلام حاليا“.
درس “المقام العراقي” في بغداد، مستفيدا في نهاية السبعينات من بعثة علمية كأستاذ في برج الكيفان، واشتهر بأغنية “ماما لابسة الزرقاطي”، التي أعاد بعثها من التراث الجزائري، وأعاد تأليفها مع سليمان جوادي. هذا الأخير جمعت الراحل به العديد من المشاريع الفنية، حيث غنى الكثير من أشعاره.
انتشر الخبر بسرعة البرق، وتناقلته مواقع التواصل الاجتماعي في حينه، فازدحمت الصفحات بالتعازي من الأسرة الثقافية والفنية، التي أجمعت على أن المشهد فقد ملحنا من طينة الكبار، قدم روائع فنية ووطنية ستبقى خالدة في “الريبارتوار” الجزائري، ويعد من آخر ملحني الرعيل الأول، ورفيق دربه نوبلي فاضل الذي يعاني بدوره من مرض “الزهايمر” منذ فترة.
.
عز الدين ميهوبي.. علاقة 30 سنة إبداع
الفن الجزائري الأصيل خسر قامة إبداعية كبيرة
قصد الكاتب والشاعر عز الدين ميهوبي، بيت محمد بوليفة ـ رحمه الله ـ لتقديم واجب العزاء لعائلته، وهو من عايش فقيد الفن الجزائري الأصيل ثلاثين سنة: “محمد قامة فنية كبيرة وخسارة للفن الجزائري الأصيل والتراث. ينتمي للأدباء أكثر مما ينتمي للفنانين، فقد تعامل مع أشهر وأهم الشعراء، ولحن لمحمود درويش وسميح القاسم وعاشور فني ومالك بوذيبة وعمر البرناوي وسليمان جوادي وغيرهم من المبدعين”.
وأضاف ميهوبي بنبرة حزينة في اتصال مع الشروق “لحن مقاطع من “إلياذة الجزائر” ولحن “استحي” بصوته و”تاج الياسمين” لندى الريحان. تعاملت معه في “قال الشهيد” و”حيزية” و”غنائية افريقا” و”ملحمة الجزائر”، وكنا على موعد مع بعض الأفلام التاريخية، وكان بصدد التلحين للفنانة الاردنية، كارولين ماضي، ولكن تشاء الأقدار أن يودعنا قبل ذلك.. لكل اجل كتاب”.
.
السعيد بوطاجين يودع رفيق دربه ويكشف:
“بوليفة متواضع وقنوع واجه المرض بشجاعة”
يتحدث السعيد بوطاجين بصعوبة عن رحيل رفيقه الموسيقار، محمد بوليفة، الذي تقاسم معه مغامرات وطموحات الشباب، فقال في اتصال مع الشروق “كنت على علم بمرضه، وكنت من القلة، لأنه لم يكن يريد أن ينتشر الخبر بين الجامعيين والإعلاميين. وبدأ منذ مدة العلاج الكيماوي بشكل مكثف، ووصل إلى مرحلة ميؤوس منها شفاؤه. اتصل بي منذ فترة، وكان يتحدث بصعوبة بالغة، بحيث لم أكن أفهم جيدا الكلام. أحسست أنه في أيامه الأخيرة، ورغم ذلك تمنيت له العمر الطويل، حتى يحقق ما بدأ من مشاريع وأفكار. حيث كان يعمل على بعض التسجيلات، وكان يفكر في أوبيرات وطنية مع سليمان جوادي.
كان متواضعا وقنوعا، ولم يكن يشكو أبدا، فقد حاولت أن أساعده بعد علمي بالمرض، إلا أنه أصر على امتلاكه المال اللازم للعلاج، وكثيرا ما كان يردد “أنا مرتاح والحمد لله”.
.
فؤاد ومان
رحيل محمد بوليفة هو خسارة كبيرة للساحة الفنية الجزائرية، لأنه عاش فنانا راقيا ومتميزا، وكان طيبا وخلوقا مبدعا ورزينا، وكله صدق، قدم أعمالا كبيرة للساحة الفنية، خصوصا أعماله الوطنية. بالنسبة لي كان محمد بوليفة أكثر من صديق، لأنه كان بمثابة أخي الأكبر، رحمه الله، لقد رحل في فترة كنّا ننتظر أن يزيد فيها عطاؤه وإسهاماته، خاصة والجزائر تحتفل هذا العام بالذكرى الخمسين لاستقلالها، لكن إرادة الله كانت أكبر منا جميعا، نتمنى للفقيد الرحمة والمغفرة، ولعائلته الصبر والسلوان.