ولاة أم أولياء الله الصالحين؟
على مدار نصف قرن من الاستقلال شهدت الجزائر إستقالة بعض رؤساء الجمهورية ووزراء ومديرين تنفيذيين ورؤساء بلديات، ولكنها لم تشهد أبدا إستقالة وال من منصبه، رغم أن وجه معظم الولايات مازال شبيها بوجهها عندما كانت من دون لقب ولاية، بل إن بعضها يزداد تشوّها من عام إلى آخر، والذي يزور مدن قسنطينة أو سيدي بلعباس أو الجلفة على سبيل المثال، لا يكاد يصدق أن هاته المناطق كان بها مسؤولون صغار أو كبار منذ عشريتين، تميزت العشرية الأخيرة فيهما بالبحبوحة المالية التي لم تشهدها البلاد في تاريخها
- وعندما يسمّي مواطنون مدينتهم التي عُمرها أزيد من ألفي سنة بالدوّار الكبير، ويسمي آخرون مدينتهم التي كانت منذ ستة قرون عاصمة للمغرب العربي بقندهار، فمعنى ذلك أن المواطن المعني الأول بمشاريع التنمية قد استقال من المدنية وارتضى شبه عيش في شبه مدينة يديرها أشباه مسؤولين. وإذا كان رئيس الجمهورية قد اتهم الجمعيات المحلية بتعطيل برنامجه التنموي الكبير، فإن مسح الموس في رؤساء البلديات الذين يسيّرون شاحنات القمامة وينجزون الممهلات في شبه الطرقات فقط يبدو غير مكتمل الصورة، لأن المشاريع الكبرى والأموال الضخمة تحت تسيير هؤلاء المسؤولين الذين ظلوا دائما خارج مجال الانتقاد، فما بالك بالمحاسبة، رغم مسؤوليتهم في تهجير أبناء الأرياف والصحراء نحو الشمال وتهجير أبناء المدن إلى خارج البلاد، وتصحير الساحل وتحويل الجنات الخضراء إلى قصور إسمنتية، ولو يعود رئيس الجمهورية لتفقد العشرات من المشاريع الكبرى التي وضع حجر أساسها أو التي دشنها لغيّر إسم المتهم بتعطيل المشاريع وإفشال التنمية من الجماعات المحلية الذين يرفعون القمامة وفي غالب الأحيان لا يرفعونها أصلا، إلى الذين يملكون كل الصلاحيات وكل الميزانية ولكنهم أشبه برؤساء أندية الكرة عندنا، يغيّرون المدربين مع كل نتيجة سلبية ولا يتغيّروا ولا يغيّروا ما بأنفسهم حتى يغيّر الله ما بهم.
قد يكون أحسن إصلاح تباشره البلاد هو رفع الحصانة المعنوية المبالغ فيها عن الكثير من المناصب التي ظن أصحابها أنهم معصومون من الخطأ فتراهم يحمّلون من هم دونهم أسباب كل المشاكل التي تتخبط فيها البلاد ويتجرع علقمها العباد وكأنهم أولياء الله الصالحين، وإذا كنا نفهم إتهام الرئيس للجماعات المحلية والمنتخبين المنتمين لثالوث أحزاب التحالف الرئاسي الذين فرّق عليه ريع النفط فارتشفوه حد الثمالة وربما حتى من يعينون بقرار رئاسي مثل رؤساء الدوائر والولاة بتورطهم في إفشال حلم التنمية، فإننا لا نفهم لماذا لا يتبع الاتهام بقية الإجراءات القانونية المعروفة من عرض المتورطين أمام وكيل الجمهورية وقاضي التحقيق والعدالة، خاصة أن الاتهام كبير بحجم جناية.