.. ويبدأ النّقاش السّنويّ حول زكاة الفطر!
ما أن أعلنت وزارة الشّؤون الدينية والأوقاف، يوم الأحد الماضي، عن مقدار زكاة الفطر لهذا العام (1442هـ)، حتّى أعطيت إشارة الانطلاق لبدء النقاش السّنويّ حول مسائل الخلاف المتعلّقة بهذه الزّكاة التي يفترض أنّها شرعت لتطهير الصّائمين ممّا يشوب صيامهم من لغو ورفث.. لكن يبدو أنّ كثيرا من شباب الصّحوة أبوا إلا أن يجعلوا من الشّطر الثّاني من رمضان محلا لجدال يبدأ ولا يكاد ينتهي، وربّما يتطوّر في بعض المواطن إلى تشاحن وتطاحن وتبادل للاتّهامات!
من أكثر المسائل التي تثير استهجان عامّة من يخوضون في النّقاش الدّائر حول زكاة الفطر: قيمتها المتواضعة التي تكاد تكون ثابتة رغم توالي السّنوات وارتفاع أسعار المواد الغذائية، خاصّة في السّنوات الأربع الأخيرة، حيث لم تتزحزح قيمة زكاة الفطر عن 120 دج منذ العام 2017م، على الرّغم من أنّ أسعار المواد الغذائية الأساسية عرفت ارتفاعا كبيرا أثّر على القدرة الشّرائية لغالبية الجزائريين.. وهذا مأخذ مهمّ وفي محلّه، لولا أنّ من يقفون عنده قد فاتهم أنّ زكاة الفطر تتعلّق –ابتداءً- بالقوت الأساسيّ، ثمّ إنّه لا يُنظر في قيمتها إلى الفقير أو المسكين الذي يستفيد منها فقط، إنّما ينظر –كذلك- إلى من يدفعها، ومعلوم أنّ زكاة الفطر –خاصّة- تجب على كلّ مسلم يملك ما يزيد على حاجاته الضرورية ليلة ويوم العيد، ما يعني أنّ من يخرجها قد يكون هو الآخر فقيرا، لذلك لم تكن قيمتها كبيرة كما هي في زكاة الأموال التي تجب على الأغنياء والموسرين في الغالب.. ثمّ إنّ القيمة المحدّدة لزكاة الفطر هي الحدّ الأدنى الذي لا يرهق غنيا ولا فقيرا، وليس ممنوعا على الأغنياء والموسرين أن يزيدوا على القدر الواجب مقدارا يصل إلى أضعاف مضاعفة، يقول الله تعالى: ((وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ))، وهذا مذهب جمهور العلماء خلافا للمالكية الذين كرّهوا الزيادة، وقول المالكية مرجوح ومخالف لروح الشّرع، بل قد تكون الزيادة مندوبة في حقّ بعض الموسرين والأغنياء الذين يرون حولهم بين أقاربهم وجيرانهم من هم في أمسّ الحاجة إلى مدّ يد العون، فيستحي الواحد من هؤلاء الموسرين والأغنياء من أن يكتفي بإخراج القدر الواجب في زكاة الفطر الذي لا يتجاوز في أغلب الأحيان 840 دينارا؛ فيزيد عليه ما يجعله مفرحا لجاره أو قريبه الفقير.
المسألة الثانية التي تثير نقاشا أحدّ ولغطا أكبر، هي مسألة إخراج القيمة في زكاة الفطر، حيث يصرّ كثير من المتمسّكين بظواهر النّصوص على التشبّث بقول تبنّاه جمهور أهل العلم عندما لم تكن النّقود تحظى بالأهمية التي تحظى بها في عصرنا الحاضر، ينصّ على عدم إجزاء القيمة في زكاة الفطر، وهو القول الذي خالفه كثير من الصّحابة والتابعين، وخالفه الخليفة عمر بن عبد العزيز في خلافته، وقال كثير من العلماء المحقّقين بخلافه، في قرون سابقة، وأصبح في العقود المتأخّرة قولا لجماهير العلماء في الشّرق والغرب، وليس في تبنّيه أيّ مخالفة لما رواه ابن عمر عن النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- أنّه فرضها صاعا من تمر أو صاعا من شعير، لأنّ الصّحابة أنفسهم توسّعوا في الأصناف التي تخرج منها فأخرجوها –كما في حديث أبي سعيد الخدري- من الزّبيب والأقط، وأخرجوها بعد ذلك من الحنطة، ومن غير ما سبق ذكره، في زمن كانت غالب المعاملات تتمّ بالمقايضة، ولا تستعمل دنانير الذّهب ودراهم الفضّة إلا نادرا.. وحينما توسّع النّاس في تداولهما بعد ذلك أمر عمر بن عبد العزيز بإخراجها قيمة، ولم يُعلم أنّ أحدا من فقهاء الأمّة يومها أفتوا بعدم إجزاء ما يفعله النّاس يومها، ولا علم أنّ أحدا منهم شغّب في المسألة وشكّك النّاس في صحّة زكاتهم.. فلماذا يصرّ بعض العلماء ومِن خلفِهم بعض طلبة العلم وكثير من الأتباع على تشكيك مئات الملايين من المسلمين في إجزاء زكواتهم؟ كان يسعهم أن يقولوا بأفضلية إخراج الطّعام، أو يتبنّوا القول بإخراجها قوتا ويؤكّدوا على أنّ إخراج القيمة قول محترم يعذر من قلّد القائلين به وتجزئ زكاته، لكنّهم يأبون في كلّ عام إلا أن يؤكّدوا مذهبهم في بطلان إخراجها قيمة ومنهم من يجزم بعدم الجواز أي أنّ مُخرجها قيمة آثـم!