يا ليل.. يا عين!
عندما تصل الندرة حدّ “تحتام” أو “تحتيم” العنب مع الحليب، فهنا يجب التوقف مطولا والتنفس بعمق، لأن هذا المشهد يذكرنا بمشاهد عايشناها ونحن صغار، عندما كانت أسواق الفلاح والمتاجر خلال الثمانينيات “تحتّم” القهوة بالمكانس والدقيق بالبسكويت والسكر بـ “البالات” والفؤوس، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العظيم، اللهمّ حوالينا ولا علينا!
هل يُعقل أن تتحوّل ندرة “حليب الشكارة” والطوابير على البطاطا، إلى حديث بين عامة الناس، ونحن يا عباد الله في 2017؟ وهل تنفع ضريبة الثروة لإرغام رجال المال والأعمال و”البقارة” وأصحاب “الشكارة” على المشاركة في حلحلة تداعيات أزمة النفط، التي أجبرت الحكومة على “طبع النقود” لضمان دفع أجور الموظفين وتمويل مشاريع الحياة!
ملايير الضرائب التي لم يدفعها الأثرياء وأصحاب المصانع والتجار وحتى المواطنون البسطاء، والملايير غير المحصلة من مستحقات الكهرباء والماء والغاز والكراء و”لونساج” والقروض البنكية المختلفة، تبقى شاهدة على الفشل في تحصيل هذه “الثروة الضائعة”، فكيف يُمكن إجبار المتهرّبين من تسديد الديون السابقة، على دفع ضريبة جديدة؟
نعم، المشكلة أيضا أخلاقية وتربوية، فللأسف انتشر مرض “النهب والسلب”، وتحوّل إلى عدوى تأكل جسد المجتمع وكلّ القطاعات، وأصبحت الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام والنقابة والجامعة والمستشفى، محضنة لرعاية الفشل في الإقناع ومحاربة فساد العقول وتفشي الطمع وروح الاستفادة دون الإفادة و”الماكلة من قرن الشكارة”!
لم يبق سوى بيع الحليب مع العنب، والخوف، كلّ الخوف، لو استمرّت هذه الذهنية البالية، أن يأتي يوم يُرغمك فيه الطبيب على تناول “الزطلة” نظير تشخيص مرضك ووصف الدواء المناسب لك، أو أن يقف الإمام عند باب الجامع فيطلب أجرته من المصلين!
إذا أصبح كلّ طرف، مستورد، تاجر، مستثمر، فلاح، موظف، موّال، جزّار، بنـّاء، إسكافي، عامل، مسؤول، وغيرهم من الموظفين والمستخدمين، يبحثون بمفردهم عن ملء جيوبهم وتحصيل “رواتبهم”، مثلما يحلو لهم، فهذا أكبر خطر يستهدف القدرة الشرائية للمواطنين، ويضرب توازنهم المالي، ويعصف بالتوازنات الاقتصادية للدولة!
الأسواق والمحلات، هذه الأيام، ومعها بورصة “السكوار”، وسوق السيارات والعقار، هي أهمّ مؤشر يُنذر بالفوضى المالية، والهزات التي تضرب استقرار “البطون” التي لم تعد تعمل كثيرا بالمثل الشعبي القائل: “كي تشبع الكرش تقول للرّاس عنـّي”.. ويا ليل يا عين!