يتيم المعارضة وضحية النظام
كان من حق ما يسمى بالمعارضة السياسية الجزائرية المخذولة في الانتخابات التشريعية الأخيرة أن ترغي وتزبد وتقيم الدنيا ولا تقعدها على نتائج هذه الانتخابات كما تفعل اليوم، لأن الصحيح هو أن نتائج انتخابات 10 ماي كانت وليدة التزوير الفاضح والتلاعب الصارخ.. كان من حقها ذلك وكانت احتجاجاتها مشفوعة لو كانت فعلا معارضة سياسية حقيقية بالمقاييس والمفاهيم المتعارف عليها، وكان من حقها ذلك لو كانت فيها ذرة واحدة من إرادة التغيير الذي طالما تشدقت بها، لكن كل ما فيها مع الأسف هو طمع لا يخرج عن إطار الفساد السياسي وغير السياسي المستشري في أوصال الجزائر منذ الأزل.
الطمع في المزايا والمآثر المادية والمعنوية التي توفرها العضوية في البرلمان وما قد يترتب عن ذلك من مناصب عليا وجاه سياسي واجتماعي وحتى أمني مصون بالحصانة البرلمانية.. أعماها عما كان يحاك لها في حبل وريدها وعن الماء الذي كان يجري تحت أقدامها، وفي الوقت الذي كانت السلطة وأجهزتها وآلاتها التزويرية الجهنمية تشتغل على قدم وساق في السر والعلانية لإحكام القبضة على كامل العملية الانتخابية بما لا يسمح بأي حركة أو ردة فعل خارج ما تريده من نتائج، كانت المعارضة – أو ما تسمى جزافا بالمعارضة – تضرب أخماسا في أسداس وتجري حسابات بعيدة تماما عن منطق الحساب..
فكان أبو جرة سلطاني يصرخ ويقول أن تحالفه الأخضر سوف لن يحتاج إلى تحالفات وائتلافات للاستيلاء على زمام الأمور لأنه سيحقق الأغلبية البرلمانية دون منازع، وكان الشيخ عبد الله جاب الله يقول أنه لن يتحالف مع أي أحد قبل الانتخابات وبعدها سيختار حل من يريد للتحالف والائتلاف وكأنه قبض على أصوات “الناخبين” جميعها حتى قبل إجراء الانتخابات، وهذه السيدة الويزة حنون على يقين من الحصول على العدد من الأصوات الذي يمكنها من عكس الموازين والتوازنات السياسية في الجزائر وقلب الطاولة على النظام والمعارضة معا، لكنها لم تجن في نهاية المطاف سوى نتائج سياسة التزوير، ولم تجن سوى نتائج سياستها وسياسة حزبها في تجريد ملايين الفقراء الجزائريين من الملابس والثياب من خلال فرض قانون منع استيراد الشيفون، ولم تجن غير ثمار حشو قوائم مرشحيها بأمقت ما يمقت الناخب وعموم الشعب، وهم أزلام النظام وأرباب التزوير من مناضلي النقابة الرسمية العميلة..
الثلاثة ومعهم رابعهم الأفافاس قاموا ببيع جلد الدب قبل أن يصطادوه ولم يكونوا قادرين حتى على استيعاب ما كان يجري من حولهم في القاعة المتعددة الرياضات بمدينة سطيف قبل الانتخابات بيومين، حيث كان الرئيس بوتفليقة يحسم الموقف ويغلق الدائرة بإحكام بدعوة الناخبين – الصريحة والمقنعة في نفس الوقت – إلى الانتخاب على جبهة التحرير دون غيرها من خلال الجهر بانتمائه الحزبي إليها بقوله أن حزبه معروف ولا غبار عليه.. وكان من المفروض على هذه المعارضة لو كانت فعلا معارضة وتستحق أحسن مما استحقت، أن تتخذ موقفا وتتصرف في تلك الليلة وليس بعدها وبعد أن تصبح كل المطالب مستحيلة وبلا آثار.
لكن معارضة متخاذلة وديوثة وطماعة مثل هذه لا تستحق إلا هذا المصير، ولا يحق فيها إلا ما حق من طرد وخذلان وتزوير وسرقة للأصوات في انتخابات 10 ماي وما قبلها وما سيأتي من بعدها،فيما يبقى الناخب هو الضحية واليتيم للنظام والمعارضة معا.