المؤبّد في شرم الشيخ!
الريّس محمد حسني مبارك، المتهم بإصدار أوامر القتل والعزل وتجويع وترويع الغلابى، يستفيد من “الحكم المخفـّف”، فقد كوفئ بالسجن المؤبّد في منتجعات شرم الشيخ، أو في قصر عبدين وذلك في أسوأ الأحوال، فيما استفاد نجلاه جمال وعلاء من البراءة، بعد أيام من إعلان نتائج الدور الأول من الاقتراع، وقبل أيام من الدور الثاني لأول رئاسيات بعد ثورة ميدان التحرير.
الشارع المصري الذي استغرب صعود أحمد شفيق في الانتخابات الرئاسية، اهتزّ بعد النطق بأحكام عجيبة في حقّ مبارك ونجليه، وهي الأحكام التي أفرزت رسائل مشفرة أمام هذا الفعل: هل هي صفقة؟، هل هو حكم ثقيل في حق مبارك ومخفف في حق نجليه؟، لماذا تسريع الحكم بعد الدور الأول وقبل الدور الثاني؟ هل هو بالونة اختبار؟.. من المستفيد من هذه الأحكام؟
قد يكون مبارك فضّل أن يُمسح فيه الموس بحكم سيُبقيه ريّسا، يوجه تعليماته عبر الهاتف لنظام الحكم من مقرّ سجنه الفاخر، حيث سيقضي المؤبد تحت الرعاية السامية لفريق من الأطباء والبودي ڤارد و”الجواري” والمستشارين الذين سيقضي معهم وبهم الباقي المتبقي من فترة سجنه الرئاسي أو إقامته الجبرية، حيث سيكون حرّا طليقا، وهو المؤبد الذي سيرضي كلّ الغلابى لو حُكم عليهم بقضائه في منتجع شرم الشيخ!
نتائج الدور الثاني من الرئاسيات المصرية، ستضع النقاط على حروف الأحكام التي صدرت في حق مبارك ونجليه في هذا الوقت الحرج، والأكيد أن “كلمة” الريّس مازالت مسموعة لدى بعض أركان النظام السابق وغير البائد، وإلاّ لما استفاد مبارك من خدمات وامتيازات ورعاية رئاسية بإقامته الفاخرة في شرم الشيخ!
حتى وإن نحـّت الثورة مبارك من منصبه كرئيس للجمهورية، فإنها فشلت في تأديبه وأخذ حقّ الغلابى منه ومن عائلته وحاشيته التي نتفت خيرات الأحياء من المصريين والأموات منهم!
هل يُمكن إقناع الرأي العام بأن المؤبد في “سجن” شرم الشيخ هو نفسه المؤبد في السجون التي يرقد فيها أبناء الشعب؟.. من البداية، كان واضحا أن تحويل مبارك إلى شرم الشيخ، هو تهريب للريّس بقرار جمهوري وإنقاذه من عتاب وعقاب الثوار!
لكن، يجب رسم علامات استفهام وتعجب أمام النسبة المقبولة التي تحصل عليها “فلول النظام” ممثلين في أحمد شفيق، خلال الدور الأول من الرئاسيات المصرية، وهي الأرقام التي دوّخت المراقبين وأسالت لعاب “بقايا أتباع” حسني مبارك وأثارت شهيتهم للعودة إلى الواجهة بـ “سند شعبي” يمنحهم استعمال ”حقّ الفيطو” للدفاع عن ”شعبيتهم” و”شرعيتهم” الانتخابية!
قد يكون الحكم بالمؤبد على مبارك، والبراءة لصالح نجليه هما مخرج نجدة لمشروع التوريث، وهو مقايضة إمّا لاستكمال الخطة بتمكين شفيق من الفوز في الدور الثاني، أو للقضاء عليه انتخابيا، وبالتالي دفن مخطط “النظام” الذي مازال على ما يبدو يتنفس من تحت سراديب الفراعنة!
حتى وإن صدرت فتوى تحرّم انتخاب ممثل النظام في مصر، فإن مراقبين يعتقدون أن المؤبد “ضدّ” مبارك ما هو سوى “عربون محبّة” لتطويل عُمر “العائلة الرئاسية” وإهداء الريّس وأصدقائه وحاشيته من البهوات والباشوات، قارورة سيروم تتيح لهم فرصة تسيير مرحلة تقتضي الحنكة الفرعونية للخروج من تابوت التحنيط!