”الميترو” الذي سار بنا إلى الخلف
هل يدعو إنجاز “ميترو” الجزائر العاصمة إلى الفخر والاعتزاز وهو الذي استهلك أربعة ملايير دولار، وشيّب عشرين رئيس دولة وحكومة أم أنه يُغرقنا في تأنيب الضمير وجلد الذات على عقود أحرقناها وأموال أتلفناها حتى كاد هذا الإنجاز يؤرّخ لحقبات أقدامها في عصر “الأبيض والأسود” ورأسها في عالم ”الانترنت”؟
- وهل يدعو إنجاز الطريق السيّار أيضا إلى الفخر وتكاليفه تكاد توازي ميزانية دول تنافس حاليا تكنولوجيا واقتصاديا؟
- وهل يدعو إنجاز مسجد العاصمة إلى الافتخار وهو الذي من المفروض أن يُؤسّس على التقوى وبأموال وأرواح الجميع وليس على العراقيل التي تواجهه في بلد صارت مشكلته الكبرى كثرة الأموال؟
- اختيار عيد الثورة لتدشين المشاريع “الكبرى” كان يمكن أن يُحوّل أهم عيد في الجزائر إلى أعياد، ولكن عندما نعلم أن التأخير القياسي والتبذير الشيطاني الذي أدخل الميترو في النفق المظلم بدل النفق السيّار مرّ من دون أي عقاب أو تأنيب أو حتى لوم يجعلنا نتساءل عن مصير بقية المشاريع الكبرى التي ستعرفها البلاد ورصدت لها ميزانية بمئات المليارات من الدولارات، فقد باشرت الجزائر مشروع ميترو عاصمتها قبل كل البلدان الإفريقية والعربية التي حسد بعضها الجزائر على جرأتها في مواكبة النقل العالمي، وقلّد البعض الآخر نهجها لتمر السنوات والعقود وتجري “الميتروهات” في خمسة عشرة مدينة عربية وفي عشرين مدينة إفريقية وبقيت عاصمتنا إلى غاية الفاتح من نوفمبر 2011 تنتظر هذا الإنجاز العبقري في زمن التفكير فيه والعادي جدا في زمن تسليمه، ومزاوجة إنجاز مشروع نقل ضرب فيه رؤساء ورؤساء حكومة ووزراء نقل ومديرون تنفيذيون آلاف الوعود الزمنية التي لم تتجسد، مع عيد ثورة أعلن فيها قادتها إما حياة أو ممات، وعقد أهلها العزم أن تحيا الجزائر يبدو غير متجانس إطلاقا رغم أن المثل الشهير يقول إن الوصول المتأخر خير من اللاوصول في كل الحالات؟
- المشهور في الأثر وفي التاريخ الإسلامي أن المسلمين عندما دخلوا مكة فاتحين، وانتصروا في حنين بعد أن أعجبتهم كثرتهم، أن خاتم الأنبياء دعاهم للاستعداد لجهاد البناء الأكبر بعد أن حققوا نجاحهم في الجهاد الأصغر بالسلاح، ولكن عندما نعايش إنجازات كبرى وصغرى لا التزام فيها بالوقت والجودة، ناهيك عن سرقة أموال الشعب نعترف بأننا لم نُتبع فعلا انتصارنا العظيم في جهادنا الأصغر بانتصار كبير في جهاد أكبر لم نخضه أصلا.
- في كل عيد ثورة نتساءل عن حصر الاحتفال في إجراءات بروتوكولية يمارسها موظفون كبار ضمن أعمالهم المناسباتية التي يتقاضون عليها مرتباتهم، ولكننا لا نفهم لماذا لم يسِر مثلا الولاة على نهج الرئيس الذي عيّنهم فقدّم كل وال لمواطني منطقته إنجازا ولو على شاكلة ميترو العاصمة الذي صار ذاكرة شعب بدلا من أن يكون مستقبل شعب، ولا نفهم لماذا لم يُقرن الجزائريون انتصارهم العظيم في جهادهم الأصغر بجهاد أكبر يحررهم فعلا من عبودية الكسل وسوء التسيير ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ويحز في نفسنا أن أمما صنعت لنفسها جغرافيا من التطور وهي لا تمتلك تاريخا، ونعجز نحن عن رسم خارطة لعاصمتنا وبقية المدن وثورة الفاتح من نوفمبر أمام أعيننا وفي مسامعنا وفي كل حواسنا.