3 آلاف مليار… ديون “مركّب الحجار” بفعل التخريب والسرقة!
تدني القدرة الإنتاجية لعملاق الحديد الوطني بارتفاع النفقات والتكاليف والديون
1890 مليار.. مساعدات حكومية لإنقاذ المصنع الكبير ذهبت في مهب الريح
بتواطؤ من داخل المركب.. سرقة هياكل الفرن العالي الأساسية بـ10 ملايير
صفقات نقل بحافلات مهترئة وتضخيم رهيب للفواتير.. وما خفي أعظم
قررت غرفة الاتهام لدى مجلس قضاء الجزائر إحالة فضيحة أكبر مجمع عمومي للصناعات المعدنية والحديدية والصُّلبيّة “إيميتال” على المحاكمة، حيث سيمثل 25 متهما أمام محكمة القطب الجزائي الاقتصادي والمالي بسيدي أمحمد، عن وقائع فساد وتجاوزات في التسيير وتواطؤ لتبديد المال العام وإبرام صفقات وعقود بطريقة مخالفة للقوانين والتنظيمات على مستوى الفروع الحيوية للمجمع، خاصة بـ”مركب الحجار”، مما تسبب في تدني القدرة الإنتاجية والمساس بمنشآته الحساسة والتوقفات المتكررة لدورة الإنتاج، وهو ما ألحق أضرارا مالية بالمجمع والخزينة العمومية.
وفي تفاصيل حصرية تحوزها “الشروق”، فإن غرفة الاتهام لدى مجلس قضاء الجزائر، ألغت الأمر المحال من طرق قاضي تحقيق الغرفة الثامنة لدى القطب الجزائي الاقتصادي والمالي، وأحالت جميع المتهمين على محكمة الجنح بالقطب، وهذا بعد استنفاد الإجراءات الشكلية والآجال المنصوص عليها بالمادة 182 من قانون الإجراءات الجزائية بعد المداولة وفقا للقانون.
تلاعبات إداريّة وماليّة وتبديد ممنهج للمال العام
وتعود وقائع ملف الحال، حسب ما تضمنه قرار غرفة الاتهام، إلى سنة 2020، حيث كشفت التحقيقات الابتدائية التي قامت بها مصالح الفرقة المركزية لمكافحة الجرائم الاقتصادية والمالية بخصوص قضية التجاوزات في تسيير المجمع العمومي” إميتال”، على مستوى مركب الحجار، أنها تجاوزات قائمة من طرف كل من “ب.طارق” المتوفى بصفته الرئيس المدير العام للمجمع، والمسمى “ف. ك” بصفته الأمين الولائي للاتحاد العام للعمال الجزائريين بولاية عنابة، المسجلة على أحد الفروع الحيوية للمجمع، الأمر الذي جعل جانب التسيير الإداري والمالي للمركب رهينة سلطة ونفوذ سالفي الذكر.
كما أدى ذلك إلى تسجيل وضعية مزرية لمختلف مصالحه، على غرار تراكم الديون نتيجة تجاوزات متعددة، بالإضافة إلى عمليات تبديد المال العام، التي كان لها الأثر السلبي على النشاط الحالي للمركب مع أهداف إعادة إطلاقه مستقبلا.
وأفضت التحقيقات إلى أن المتهمين قاما بتقسيم الإطارات المسيرة إلى توجهات متنافسة، وهذا بعد إجراء تعيينات وتغييرات في مناصب الإطارات، حسب مصالحهما الشخصية، للتواطؤ في تبديد المال العام، والتستر عن المجرمين، وكذا محاولات لإبرام صفقة بصيغة التراضي البسيط مع شركة أجنبية بتعليمات من ذات المسؤول، لاقتناء كميات كبيرة من “الكوك” على الرغم من أن السعر المقترح أعلى بكثير مما هو معمول به في السوق الدولية.
كما بينت التحريات الأولية أن الوضعية المزرية المسجلة على مستوى المركب، لاسيما فيما تعلق بفقدان التوازنات المالية، جاء بسبب تراجع المداخيل، مقابل ارتفاع النفقات والتكاليف وزيادة حجم الديون، بفعل سوء التسيير والإهمال، مما أدى إلى تدني القدرة الإنتاجية للمركب، بحكم التوقفات المتكررة لدورة الإنتاج، جراء سوء تقدير حجم التموين اللازم للمواد الأولية المستعملة في الإنتاج، فضلا عن عمليات السرقة والتخريب التي تطال المنشآت الحساسة داخل المركب، إذ بلغت الديون العالقة للمركب، خلال السداسي الأول من سنة 2022، لدى مختلف المتعاملين الاقتصاديين والخواص ما قيمته 21.211.354.614،63 دج، وهي الوضعية التي أدت إلى رفع دعاوى قضائية ضد المركب قصد تحصيل المستحقات وفي شهر فيفري من سنة 2023، شهدت زيادة معتبرة، حيث وصلت إلى قيمة 00، 29.539.158.871 دج.
شبكة نفوذ داخلية عطلت الإنتاج وأغرقت المركب في الديون
ومن جهة أخرى، أسفرت التحقيقات عن وقائع تفيد باستفادة المركب من عدة مساعدات مالية في إطار برنامج الحكومة، الرامي إلى إنعاشه مع رفع قدرته الإنتاجية، آخرها بتاريخ 22 جانفي 2023، أين تحصل المركب على مبلغ 18.9 مليار دينار جزائري من الصندوق الوطني للاستثمار لغرض تغطية بعض الديون وشراء حاجيات الفرن العالي من مادة الفحم، لمدة أربعة أشهر، إلا أن واقع المركب شهد وجود أعطاب متكررة وتوقف لمعدات تم تركيبها دون احترام المعايير اللازمة لذلك، ودون اتخاذ الإجراءات الردعية الضرورية ضد المتسببين فيها، إضافة إلى وجود وحدة إنتاج الحديد المسلح من صنف 6 في حالة توقف، بعد أن أغلقت دون مبرر.
وبخصوص التوقفات المتكررة لدورة الإنتاج، بينت التحريات أنه بداية من سنة 2020 شهد المركب، سلسلة من التوقفات الاضطرارية للفرن العالي رقم 02، ليتم وضعه في حالة توقف بعد مدة 4 سنوات من تشغيله المرادفة لمدة ضمان بـ12 سنة وذلك مقارنة بالأعطاب المتكررة الموسومة بالتعمد في وضعه رهن العطب، التي صاحبتها تلاعبات مست قطع غيار الفرن و4 ورشات ما كلف الخزينة خسارة معتبرة، فضلا عن تجميد الحديد المنصهر، عمدا، داخل الفرن العالي بتعطل هذا الأخير.
أعطاب متعمدة داخل الفرن العالي وخسائر بالملايير
والأكثر من ذلك، فإن تأثر الدورة الإنتاجية للمركب، كان أيضا نتيجة تعرضه في العديد من المرات لعمليات السرقة والتخريب لعدة وحدات وورشات المركب، منها حالة السرقة المكتشفة بتاريخ 11 جانفي 2020، والتي مست صمامات المياه بذات المركب، بالتحديد على مستوى المخزن التابع لفرن الجير بالفولذة الأوكسجينية ” AC رقم 01-2011 “، وهي على شكل 8 قطع غيار من نوع خاص، تستعمل كصمامات للمياه من الحجم الكبير، علما أن هذه الصمامات لا يمكن استعمالها إلا بتجهيزات ومعدات المركب.
وإلى ذلك، كشفت التحقيقات عن تسجيل عملية سرقة سنة 2020، على مستوى الهياكل الأساسية التي تعمل على تشغيل وتموين الفرن العالي رقم 2 بالطاقة الكهربائية، تتمثل في كابل كهربائي نحاسي، يبلغ طوله 3000م تقدر قيمته المالية بنحوالي 10 ملايير سنتيم، والذي تم تقطيعه إلى عدة أجزاء وإخراجه بتواطؤ أطراف من داخل المركب وكذا تسجيل بداية سنة 2022، وقوع عمل تخريبي مس تجهيزات وحدة تحضير المواد الملبذة والأولية PMA للمركب، من خلالها تعرض الشريط الناقل للمواد الأولية لعمليات تمزيق بآلة حادة.
وحدثت تلك السرقات، حسب التحقيقات ذاتها، رغم العلاقة التعاقدية التي تربط إدارة مركب سيدار الحجار مع شركة الحراسة والأمن المسماة “SGS”، والتي توظف حسب المعطيات الأولية تعدادا عماليا من الحراس في حدود 460 عامل، موزعين عبر وحدات المركب، بنظام عمل الأفواج 8/3، يدعمهم أعوان الأمن الداخلي للمركب، المقدر عددهم بنحو 70 عنصرا، الأمر الذي يفسر حسب الأعمال التخريبية المسجلة على أن دورهم غير فعال، مما لا يستبعد التواطؤ فيه، لاسيما مع حجم الغلاف المالي المسخر من ميزانية المركب، في إطار تقديم خدمات الحماية والأمن الصناعي.
صفقات سرية… معاملات تفضيلية… وتضخيم للفواتير
بالمقابل، بينت المعلومات المتداولة بالمركب أن عددا من موظفي مركب الحجار، استفادوا من مزايا غير مستحقة مقابل اتفاق مسبق سري، مع بعض المتعاملين الاقتصاديين المتحصلين على صفقة النقل موجهة في مضمونها لنفس المتعاملين السابقين، دون احترام مبدأ المساواة في معاملة المرشحين وشفافية الإجراءات من خلال دفتر شروط معد مسبقا، من قبل اللجنة المختصة التابعة لمصلحة النقل بمديرية المالية لدى مركب سيدار الحجار، والتي يديرها المدعو “ش.م”، بالإضافة إلى تضخيم الفواتير وزيادة عدد الجولات التي تقوم بها حافلات نقل العمال عبر عدد من الخطوط والمسارات التي تشمل قطاع ولاية عنابة وقالمة، فضلا عن غياب التقدير الإداري والمالي لتكلفة هذه الصفقة المبرمة لمدة 5 سنوات، والمقدر بـ123 مليار سنتيم، والتي فاز بها متعاملان ينشطان في مجال النقل من أصل 8 متعاملين مشاركين دون مراعاة دفتر الشروط من البنود الإدارية العامة والتعليمات التقنية المشتركة التي تحدد الخصائص التقنية ونوعية الحافلات، حيث تبين أن هؤلاء المتعاملين يمتلكون ما مجموعه 37 حافلة، أغلبها قديمة ومهترئة، ولا تتناسب مع الشروط المنصوص عليها ضمن دفتر الشروط.