8 ملفات ثقيلة على طاولة وزير الصناعة الجديد!
الصناعة الغذائية والنسيج والميكانيك ومواد البناء شعبٌ ذات أولوية
“هيونداي” أقرب إلى التجسيد حاليّا وفق تصريحات مسؤولين كوريين
عين رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الأربعاء، فريد كورتل، وزيرا للصناعة، وفوزية نعامة وزيرة منتدبة مكلفة بالجماعات المحلية لدى وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، وذلك في إطار تعديل جزئي للحكومة، في خطوة تعيد وزارة الصناعة إلى واجهة ورش الإصلاح الاقتصادي، بالنظر إلى ثقل الملفات المطروحة على القطاع وحساسية المرحلة المقبلة.
وبذلك، تسلّم وزير الصناعة الجديد فريد كورتل، مساء الأربعاء، حقيبة تعدّ من أثقل الحقائب الاقتصادية، في وقت تنتظره فيه 8 ملفات استراتيجية، يتصدرها رفع مساهمة الصناعة إلى 15 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، إصلاح تسيير المؤسسات العمومية عبر عقود النجاعة، رفع نسب الإدماج المحلي، الدفع بملف صناعة السيارات وبعث المصانع المتوقفة، تجسيد الاتفاقيات الصناعية الجديدة وعلى رأسها مشروع هيونداي، تطوير المناولة وصناعة قطع الغيار، تسهيل نشاط المؤسسات الصناعية، ورقمنة القطاع ببناء قاعدة بيانات وطنية شاملة للإنتاج الصناعي.
ويصل كورتل الذي شغل منصب مستشار رئيس الجمهورية مكلفا بالاقتصاد منذ مارس 2026، إلى وزارة الصناعة، محملا بمهمة تتجاوز تسيير القطاع ومؤسساته، لتلامس أحد أكبر رهانات الدولة الاقتصادية، وهو رفع مساهمة الصناعة في الناتج الداخلي الخام والدخل الوطني، بما يسمح بتحقيق التحول المطلوب في بنية الاقتصاد الوطني، خاصة وأن رئيس الجمهورية كان قد شدد في مناسبات سابقة على ضرورة رفع مساهمة الصناعة إلى حدود 15 بالمائة، باعتبارها نسبة تستهدفها الجزائر لتوسيع القاعدة الإنتاجية وتنويع الاقتصاد ورفع القيمة المضافة خارج المحروقات.
وتزداد أهمية هذا الرهان مع اقتراب سنة 2027، التي حددها رئيس الجمهورية كأفق لتصبح الجزائر دولة ناشئة بناتج محلي يصل 400 مليار دولار، وهو هدف لا يمكن فصله عن قدرة القطاع الصناعي على إنتاج الثروة وخلق مناصب الشغل وتطوير المؤسسات ورفع تنافسيتها، بدل بقاء النمو الاقتصادي مرتبطا بدرجة كبيرة بالمحروقات، ومن ثم، سيكون الوزير الجديد مطالبا بتحويل الأهداف المعلنة إلى مؤشرات ملموسة في الإنتاج والاستثمار والإدماج والقيمة المضافة وتطوير فروع الميكانيك والنسيج والصناعة الغذائية ومواد البناء وغيرها.
وفي مقدمة الملفات التي ستصل إلى مكتب كورتل، ملف المؤسسات العمومية والمجموعات الصناعية، التي تحتاج إلى تحسين الحوكمة ورفع المردودية وإعادة تقييم طرق التسيير، خصوصا من خلال تفعيل سياسة عقود النجاعة وربط المسؤولية بالنتائج، وسيكون تقييم أداء الرؤساء المديرين العامين وفصل الملفات المرتبطة بمردودية المؤسسات وقدرتها على خلق القيمة، من بين الآليات التي يمكن أن تسمح بإعادة ضبط أداء القطاع العمومي الصناعي.
كما ينتظر الوزير الجديد ملف المصانع المغلقة أو المتوقفة، والتي تمثل طاقات إنتاجية يفترض استغلالها قبل التفكير في توسيع القدرات القائمة، كما ستكون إعادة بعث المؤسسات القابلة للحياة، ومعالجة الاختلالات التي تعيق نشاطها، وإعادة توجيه الاستثمارات نحو القطاعات التي تملك فيها الجزائر إمكانات تنافسية، جزءا من الورشة الثقيلة التي تنتظر الوزارة.
ويأتي ملف الإدماج الصناعي في صدارة الأولويات أيضا، إذ أن رفع مساهمة الصناعة في الناتج الداخلي الخام لا يتحقق بمجرد زيادة عدد المصانع، وإنما ببناء منظومة إنتاج محلية قادرة على توفير المواد والمكونات والخدمات الصناعية، وسيكون رفع نسب الإدماج في مختلف القطاعات، وربط المؤسسات الكبرى بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير شبكة المناولة الوطنية، خصوصا في الصناعات الميكانيكية، من أهم الاختبارات أمام الوزير الجديد.
وتتصل بذلك مباشرة قضية صناعة السيارات، والتي لا تزال بحاجة إلى حسم عدد من الملفات التقنية والتنظيمية والاستثمارية، والانتقال من مرحلة التركيب إلى صناعة تتوسع فيها قاعدة الإنتاج المحلي تدريجيا.
كما سيكون كورتل مطالبا بمتابعة المشاريع الجديدة وتجسيد الاتفاقيات المبرمة مع المصنعين العالميين، وفي مقدمتها مشروع “هيونداي” الذي دخل مراحل متقدمة حسب تصريحات أخيرة لمسؤولين كوريين، بما يسمح ببعث صناعة حقيقية للسيارات وتطوير شبكة وطنية لصناعة قطع الغيار والمكونات.
وسيكون ملف إعادة بعث مصانع السيارات التي توقفت عن النشاط من بين الملفات الثقيلة التي تنتظر الوزير الجديد، خاصة أن الجزائر لا تنطلق من أرضية فارغة، بل تملك منشآت وبنى صناعية سبق أن احتضنت مشاريع لتركيب وتصنيع المركبات.
ويبرز في هذا السياق مصنع “كيا” في باتنة، ومشروع “فولكسفاغن” في غليزان، ومصنع هيونداي في تيارت، وهي مشاريع ارتبطت في مراحل سابقة بصناعة السيارات قبل أن تتوقف، ما يطرح أمام الوزارة تحدي إعادة تثمين هذه المنشآت والبحث عن صيغ عملية لإعادة استغلالها ضمن السياسة الجديدة لصناعة السيارات.
وبالتوازي مع ذلك، سيكون كورتل مطالبا بتسريع تجسيد الاتفاقيات الجديدة الموقعة مع المصنعين العالميين، وتحويلها من عقود واتفاقيات استثمار إلى وحدات إنتاج فعلية، مع ضمان انتقالها تدريجيا من التركيب إلى صناعة حقيقية ترتفع فيها نسبة الإدماج المحلي، وتندمج فيها المؤسسات الجزائرية في سلاسل التموين والمناولة وقطع الغيار.
فذلك أن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بعودة السيارات إلى خطوط الإنتاج، وإنما بمنع تكرار سيناريو المصانع التي توقفت، وبناء نموذج مستدام لصناعة سيارات جزائرية قادرة على الإنتاج والمناولة والتصدير.
ويجد الوزير الجديد نفسه أيضا أمام ورش سبق أن أطلقت من داخل وزارة الصناعة، لكنها لم تكتمل بالشكل المنتظر، ويتعلق الأمر باللجان الوطنية والمجالس التي أطلقها الوزير الأول الحالي سيفي غريب خلال توليه حقيبة الصناعة، والتي كان يفترض أن تشكل فضاءات للتنسيق ووضع الحلول ومتابعة الملفات الصناعية، غير أن عددا منها لم يستكمل عمله خلال فترة الوزير السابق يحيى بشير أو على الأقل لم تتحرك فيها الأمور، ودخلت عمليا في حالة جمود، ما يطرح أمام كورتل مهمة إعادة تحريك هذه الآليات أو تقييم جدواها وإعادة ترتيبها وفق الأولويات الجديدة.
وإلى جانب الملفات الكبرى، سيجد الوزير على مكتبه مطلبا متكررا من المؤسسات يتعلق بتسهيل النشاط الصناعي وتقليص العراقيل البيروقراطية، سواء ما تعلق بالعقار أو المدخلات والتجهيزات أو الإجراءات الإدارية والربط بين مختلف الهيئات، فرفع الإنتاج الوطني يتطلب بيئة تسمح للمؤسسة بالعمل والاستثمار والتوسع، وتحولها من مجرد مستفيد من إجراءات الدعم إلى فاعل اقتصادي قادر على خلق الثروة والتصدير.
ومن بين الملفات التي تكتسب أهمية استراتيجية كذلك، ضمان توفير المنتجات الوطنية محليا، من خلال تحديد قائمة دقيقة بالسلع والمكونات التي يمكن إنتاجها داخل الجزائر بدل استيرادها، وتوجيه الاستثمار نحو الحلقات الناقصة في سلاسل القيمة، ويتطلب ذلك بناء قاعدة معلومات صناعية وطنية ورقمية تكون بمثابة “خريطة” حقيقية للصناعة الجزائرية، تتضمن المؤسسات النشطة، قدراتها الإنتاجية، المنتجات التي تصنعها، المواد الأولية التي تحتاجها، نسب الإدماج، الطاقات غير المستغلة، والمكونات التي ما تزال تستورد رغم إمكانية تصنيعها محليا.