الإنسانُ مرآةُ رَبّه؟
مع احترامنا للكتابات المقدسة المسيحية، إلا أَنَّه من الصعب التصديقُ بما جاء فيها بأَنَّ الإنسانَ خُلقَ على صورة الله. فالإنسان في غالب الأحيان أسوأ من أَن يُمكنَهُ الادعاء بكونه يعكسُ صورة الخالق. وخلافًا لاعتقاد كهذا، نَجدُ آخَر يَفتَرضُ أنَّ الإنسان هو الذي يُعطي صورةً عن الإله الذي يعبُده. والفيلسوف الألماني غوته Goethe، وهو صاحب الفكرة الثانية، لخَّصها ضمن عبارة من بضع كلمات لكنها تحمل دلالة قوية: “مثلما يكون الإنسان يكون الإله” “Tel homme, tel Dieu”. حكمٌ منصفٌ لا يضرُّ بطرف ولا بآخر.
وفعلا يُمكنُ أن تؤدي الفكرة الأولى إلى مُماثَلَة بين البشر والذات الإلهية تكون في أغلب الأحيان خاطئة، بينما في الثانية يتحمل الإنسان وحده مسؤولية الصورة التي يعكسها عن إلهه، ومدى تأثيرها على التعريف الذي قد يعطيه الغير عبرها لربّه. وبهذا تُصبحُ الصورةُ التي يعطيها نسبيَّةً، تتناسب مع طبيعته التي يُمكنُ أن يَصدُرَ منها الأحسن أو الأسوأ. وبالتالي فعندما تكون هذه الصورة سيئة فهي لن تُلزمَ الإله، ولن تَمسَّ بالفكرة التي يُمكن أن تُأخذَ عنه.
غيرُ اليهود لا يَرَونَ الربَّ في وجه كل يهودي، لكنهم يؤسسون فكرةً عنه من خلال ما يَرَونَهُ في تصرفات اليهود. كما لا يرى أحدٌ المسيحَ في كل مسيحي، لكنه يَحكمُ عليه من خلال تصرفات الكنيسة. وكذلك لا يرى غَيرُ المسلمينَ الله في كل مسلم، لكنهم يُشَكّلونَ فكرة عنه عبر ما يلاحظونه في شخص المسلم، شيعيا كان أم سنيا. فالحقيقة هي أن التصور الذي يُؤَسّسُهُ الناس لا يكون عن الله بل عن الدين فقط، وهو يَنتُج مباشرةً عن الصورة التي يعكسها عنه أتباعه. كما يقول المثل: “قل لي من تصاحب أقُل لك من تكون”.
لو سألنا مواطنا غَربيًّا نصادفه اليومَ في الشارع عن رأيه في ما يُميّزُ المسلمَ أو يُعَرّفُه، فإنه سيجيب بتردُّد: النقاب، الأكل الحلال، أو آخر مجزرة ارتكبها “داعش”. ولو سألناه بعد ذلك عمّن هو أشهرُ مسلم سمعَ عنهُ فسَيَرُدُّ حتمًا وتلقائيًا: أسامة بن لادن. وإذا كان هذا الشخص فرنسيا فسيمكنه أن يضيف: محمد مراح أو الإخوة كواشي. هذا هو الرابط الفكري الذي يُقَدّمهُ الإسلاميون اليومَ للعالَم بينهم وبين الإسلام. صورةٌ لا تعكس حقيقةَ الله، ولا الرسول (صلى الله عليه وسلم) ولا أغلبية المسلمين. لقد أعطى محمد عبده في وقته الحقَّ للفيلسوف الألماني غوته دون أن يعرف مقولته، عندما كتب في “رسالة التوحيد” عن واقع المسلمين، الذي “أصبح يعمل ضد مصالحهم”. فالإسلاموية إذا لا تَمُتُّ بصلة إلى الله أو الإسلام، ولا حتى إلى الإنسان الذي تَقتُلُهُ باسم تَصَوُّر خاطئ للإله.
الانحطاط هو عكسٌ للقيم وقلبٌ للأشياء، يُمكن له أَن يؤثر على معناها الحقيقي عندما يُغيّرُ زاوية النظر إليها. فعندما نفهم ما جاء به الإسلام حقيقةً، أي من خلال القرآن، ندرك أن الديانات نُزّلت على البشر في مراحل معينة من مسار تطورهم، لتساعد على تنظيم حياتهم الأخلاقية والاجتماعية والمادية، لكن عندما نفهمه بالمقلوب، أي بوجهة نظر مشايخ الإسلام، نجد أن الدين قد سُلّطَ على الناس لأن يعبدوا الله في انتظار أن يرجعوا إليه، دون أن يفعلوا شيئا آخر بما أنَّ النفط الذي تَزخرُ به أرضُ الإسلام يَسمَحُ بذلك.
أمّا عندما ننظر إلى الإسلام برؤية صحيحة، أي عبر ما جاء عن الرسول (صلى الله عليه وسلم)، نُدركُ أن هذا الأخير ما هو إلا مُبَلّغٌ للرسالة، وأنه لم يكن أبدا واسطة بين الله والبشر، وأيضاً أَنَّ الله لم يكلف أحدا بهذا الدور. لكن عندما ننظر إلى الإسلام بالمقلوب، أي حسب تعاليم الإسلاموية، نجد أنها تُخول لعُلمائها الحكم على إيمان الناس أو كفرهم، وقبولهم في الإسلام أو إقصائهم منه، وفي بعض الأحيان حتى حياتهم أو موتهم.
قلب الموازين هذا يُلاحَظُ عند المسلمين في حالات عديدة. عند الشيعة مثلاً، حين يُلَقّبونَ المرشد الأعلى للثورة الإيرانية “بالإمام المعصوم”، بينما لم يُشرَّف حتى رسولُ الله بهذا الوصف. هل يمكن للإنسان أن يُعصَمَ من الخطإ بمجرد أن جمعًا من الأئمة اتَّفَقَ على أن يُسَمّيه “آية الله المعظم”؟ كيف يمكن لإنسان عاقل وحكيم أن يتحمل وزرا كهذا أمام الأُمّة، أو يقبل مسؤوليةً كهذه أمام التاريخ والله؟
أما عند السُّنَّة، فجميعنا يَتَذَكَّرُ كيف ظهر الشيخ القرضاوي على قناة الجزيرة في بداية الثورة الليبية، ليفتي بإهدار دم القذافي وجواز قتله. من يكون القرضاوي حتى يصدر مثل هذا الحكم؟ هل هو خليفة على المسلمين أو محكمة قائمة لوحده؟ بالطبع لا فما هو إلا عالم، وإن أصبحَ اليومَ يُلَقَّبُ “بالعلامة” منذُ أَن صارت صفةُ العالم تُعتَبَرُ أصغرَ من مقامه. لاحظنا أيضًا كيف استبدل العلّامةُ منذ بضع سنوات في إطلالاته المتلفزة، تَحيَّةَ الإسلام المألوفة “السلام عليكم”، ليُعَوّضها بعبارة “حيَّاكم الله” الغامضة، كما لو كان خارجا لتوه من مقابلة مع الله جاءنا منها بالوحي.
وفي نفس سياق الغرائب دائما، وصفَ زعيمُ حزب الله، حسن نصر الله، قَصفَ جيشه لبارجة إسرائيلية (دون أَن يُغرقَها) خلال الحرب التي خاضها ضد إسرائيل في 2006، بأنّهُ نصرٌ من عند الله. كان بوسعنا أن نسأله: “هل تعتقد يا سماحة الشيخ أن الله كان ليَكتَفي بنصر ضئيل كهذا لو دخل في الحرب فعلا؟” كذلك اعتادَ مقاومو حركة حماس في غزة أن يُشَبّهوا إطلاقَهم القذائف على إسرائيل بالهجمات الإلهية. هل يعني هذا أن اللهَ يُخطئ التصويبَ إلى هذا الحد، بما أن صواريخَهم قليلا ما تصيب هدفها؟ لماذا نُقحمُ الله في كل شيء وفي أَيّ شيء، عَوضَ أَن نُقَدّمَ أفعالنا، جيدةً كانت أم سيئة، على ما هي فعلاً أي مسؤوليتنا وحدنا؟ لماذا نلقي عليه بنتائج ضعفنا وأخطائنا وجهلنا في شتى الميادين؟
يحدث هذا كُلُّهُ في الوقت الذي يعكفُ فيه الغربيون كُلَّ يوم على اختراع مختلف التكنولوجيات وتحقيق شتى الاكتشافات، التي يضعونها بانتظام في متناول وخدمة البشرية جمعاء وبأرخص الأثمان. وعندما يبلُغُ أحد هذه الاكتشافات في الطب أو الفيزياء أو علم الفلك، درجةَ البساطة التي تَسمَحُ بوصولهُ إلى آذان علماء ومشايخ الإسلام، لا يلبث أن يَظهَرَ أَحَدُهُم من برجه ليُعلنَ لمليار المسلمين (الأُميين بنسبة 70 ٪ حسب دراسات الأمم المتحدة)، ويُبَشّرَهُم بأنَّ ذكرَ هذا الاكتشاف وَرَدَ في الآية الفلانية من القرآن، التي يُسارعُ إلى سَردها بكل ما أُوتيَ من اكتفاء وغرور.
وغالبا ما يخرُّ في نهاية وَعظه متَعَجّبًا من قُوَّة الخالق الجبارة، مُهَنئا نَفسَهُ على ما وَضَعَ اللهُ فيها من علم، دون أن يُفسرَ لنا لمَ لم يَكُن هو الذي توَصَّلَ إلى هذا الاكتشاف قبل الكفار، أو لمَ لم يُخبرالأُمَّةَ قبله بأن هذه الآية سَتُمَكّنُ من هذا الاكتشاف، ودون أن يوضح لنا لماذا لم يكتب المسلمون أو يخترعوا شيئا يذكر منذ ابن خلدون.
إنَّهُ لا يرى ذلك من شأنه، فَعلمُهُ هو يقتصر على المراقبة الدقيقة لحركة عقارب الميزان الذي يقيس به الحلال والحرام، في وقت يَنكَبُّ فيه اليهود والمسيحيون والهندوس والبوذيون والشنتويون والملحدون كُلَّ يوم، على تطوير علمهم وتحسين تربيتهم وكفاءاتهم في كل المجالات، وتحقيق رفاهيتهم وبالتالي رفاهيتنا أيضا. كيف يمكن وصفُ شخص كهذا، ينتظرُ أن يقوم غيره بالعمل، ليأتي هو ويُبَسّطَهُ ويَحُطَّ منه، ثُمَّ ينفي عنهم العبقرية، ويقلب ميزان الجدارة والاستحقاق بحجة أن كونه مسلما يَجعَلُهُ تلقائيا أحسنَ وأفضلَ منهم؟
نجد في الثقافة الفرنسية القديمة حكمةً مناسبةً تَصفُ الجاهل الذي يريد أن يُعَلّمَ من هو أَعلمُ منه: “son curé Gros Jean en remontre à“. وابن خلدون كتب في وقته عن هؤلاء الصوفيين الذين كانت تعج بهم أرض الإسلام: “يتشبثون بالماضي وينسون أن الكمال لا يورث”. كذلك كان محمد عبده يلقب هؤلاء “بأهل الجمود”، أمَّا مالك بن نبي فأهداهم فقرة من كتابه “وجهة الإسلام” Vocation de l’islam جاء فيها : “وهكذا غرق نظام المُثُل الإسلامية المفعمُ بالحياة والحركية، في الغرور وأكثر من ذلك، في اكتفاء الوَرع بذاته حين يَخالُ نَفسَهُ يَبلُغُ الكمال لمَّا يصلي خمس مرات في اليوم، دون أن يَسعى إلى إصلاح نفسه أو تحسين حاله… نعم لقد بلغ الغاية والكمال فعلاً ودون رجعة، فهو كاملٌ ومُطلقٌ مثل الموت ومثل الفراغ. رضا الذات الكئيب هذا الذي استفحل في أرض الإسلام، حَرَّفَ جميع الآليات النفسية التي تُؤَسّسُ لتطور الفرد والمجتمع، وشَوَّهَها. وهكذا برزت كائناتٌ متحجرة في الرداءة، وفي نقص ما بعده نقص، وأَصبحت النخبةَ الأخلاقيةَ لمجتمعات لم تَلد الحقيقة فيها إلّا العدمية”.
لم تُولَد هذه التشويهات من الإسلام بل من جنون العظمة، والمُيول المَرَضيَّة التي يحملها بعض البشر للتسلط الفكري. ميولٌ بلغت من القوة والجبروت ما يجعلها تطالب بإحاطتها بالقداسة وتغطيتها بالإلوهية، حتى يكتمل رضاها. واللُّغة العربية مثلا تَزخَرُ بالغَرائب التي تدلُّ على هذا الجانب. يَكفي أن نَتَمَعَّنَ في مصطلح “رب العائلة” الذي يشير إلى الأب، أو مصطلح “رب العمل”. مثلُ هذه المزايدات تجعلنا نتساءل كيف يتصور الإنسان نفسه إذاً عندما يتبوّأ مناصب الحاكم في السلطة أو الأمير في الجبل؟ حتما لن تكفي الكلمات لوصفه. ألا يشيرُ هذا إلى ضرب مَرَضيّ قديم من نزعة التأليه الذاتي؟ ونحن الجزائريين من أكثر الشعوب تعرضا لهذا الانحراف، يكفي أن نُنصت إلى جزائريَّين يتعاركان في الشارع، أو لما يَصدُرُ عن أفواهنا عندما نَغضَب: أليس الله من يحظى بحصة الأسد من الشتائم والكلام البذيء؟
في القرون الوسطى كان للمسيحية أيضا “علماؤها”. وكانت أضواء الكنيسة الخافتة وحدها ما يخول له إنارة عالم غربي غارق في الظلمات. قبل أن يأتي وقت الفلاسفة والمصلحين والعلماء والمخترعين، الذين رأت فيهم الكنيسة وقتها علامات لظهور المسيح الدجال، يحاول تحطيم الإيمان المسيحي وبعث الفساد فيه. فاضطَهَدَت وعَذَّبَت ولاحَقَت واغتالت العديد منهم، لمجرد أنهم حاولوا التوغل في مسالك الرب الغامضة. لكن الأمر انتهى بها، مع مضي الوقت وتقدم العقل والعلم، إلى أن غيرت رأيها وراجعت أخطاءها ولو بعد فوات الأوان. فالفاتيكان لم يُعد الاعتبار لغاليليو مثلا إلّا في 1992، قُرابة أربعة قرون بعد حُكم محاكم التفتيش عليه في 1633.
أما عند المسلمين فحدث العكس. فما إن ظَهَرَ عندهم الإسلام حتى أَشعلَ أضواءَ العقل والعلم وأَنارَ العالمَ أجمعَ بها. لكن بعد مضي بضعة قرون، تشكلت طبقةٌ من رجال الدين في ظل الاستبداد السياسي الذي تَمَكَّنَ منهُ، فراحوا يعملون جاهدين لإطفاء هذه الأضواء واحدا تلو الآخر، بحجة أنها تضر بطهارة الإيمان أو تَمسُّ بعظمة الخالق. فاختصروا الإسلام في القضاء والقدر وفي الممارسة الشعائرية، ومَحَوا واحدًا تلوَ الآخر كل آثار الحركية الفكرية والعلمية فيه. سَدُّوا جميع المنافذ التي يمكن أن توصل عبره إلى المستقبل، ثُمَّ صادروا في نهاية الأمر حتى صفة العلم وانتزعوها من العلماء الحقيقيين ليستحوذ عليها الشيوخ والدعاة.
اذهبوا إلى غوغل واكتبوا “علماء الإسلام”. سوف تصادفون في النتائج اسم الشيخ الألباني، “بحرُ العلوم” الذي يتذكرُ الفلسطينيونَ جيدا إحدى فتاواهُ، التي دَعَتهُم إلى ضرورة الرحيل عن أرضهم لأنها أصبحت “دارا للكفر”. وعالمٌ آخر: ابن باز، أو “شيخ الإسلام” كما يلقب، نَفى في حياته دائريةَ الأرض التي بَرهنَ عليها البيروني ستة قرون قبل غاليليو. كما نفى أيضا أن يكون الأمريكان قد وصلوا إلى القمر لأن الإنسان “لو كان يستطيع الوصول إلى القمر لأخبرنا بذلك الرسول (صلى الله عليه وسلَّم)، على حد قوله.
حاولوا أن تغيروا علماء مثل هؤلاء، وحاولوا أن تغيروا الأيديولوجية الوهابية التي تُغذّي الإسلاموية السنية، ثم حاولوا بعد هذا أن تغيروا العالم الإسلامي. يمكن أن نراهن أن الألباني أو ابن باز لم يكونا من سيُخَفّضُ من عقاب غاليليو ولو بعد أربعة قرون، بل لو وقعَ بينَ أيديهما لتابعاه إلى يوم الدين. عندما مات الباز في 1999 اعتُبرَت وفاتُه خسارة لن ينهض بعدها الإسلام، ورأى فيها الكثيرُ علامةً من علامات قرب الساعة.
بقدر ما هو معقولٌ ومفهومٌ وعادي أَن نَمُرَّ من الظلمات إلى النور، بقدرما هو غيرُ معقول وغير مفهوم وغير عادي تَركُ النور والتَّوَجُّهُ نحو الظلمات. الحالة الأولى، حالة المسيحية، تُمَثّلُ تقدما وتحسنا ونموا؛ بينما الثانية، حالة الإسلام، ما هي إلا تقهقرٌ وانحطاط. فقد انتقلنا من الانفتاح إلى الانغلاق، ومن الاجتهاد إلى التقليد، ومن الفكر الحر الخلاق المبدع الناقد، إلى الفكر التقليدي الممتثل والمتسلط.. هذا الانحراف كَلَّفَ العالمَ الإسلاميَّ تباعًا الانحطاطَ فالتخلفَ فالاستعمارَ فالاسلامويةَ فالإرهاب فعداءَ المسلمين (islamophobie)، ولا ندري ما يخبئه له في المستقبل.
الفلسفة هي ارتقاء الأشياء البسيطة في الحياة إلى المرتبة التي تكشف فيها عن طبيعتها الفكرية السامية. وعلى عكس ذلك، فالإسلاموية هي انهيار الأشياء الإلهية إلى أدنى دَرَجَة من الاستخفاف والتفاهة، وتقزيم الفكرة الروحية السامية إلى مستوى عبادة المظاهر. إنها المرضيةُ مختبئةٌ في القداسة، والجهلُ متنكرًا في العلم… إنها مرضٌ عقلي وفكري ونفسي لا اسم له، وتفكيرٌ أحادي مُتَحجّر، لم يكتف بفرض الانحطاط فحسب، بل سوف يُديمُهُ إلى الأبد..
أبو الحَرفيّة والسلفية والوهابية في الإسلام، ابن حنبل، أقفلَ على المسلمين مبكرا في حكاية البيضة والدجاجة عندما حذرهم من الخوض في مسألة لم يسبقهم إليها أحد العلماء. لو أخذنا قولَهُ هذا مَحَلَّ الجدّ أو حاولنا تطبيقه، كيفَ يُمكنُ أن نجدَ حلّا لمسألة تظهرُ في وقتنا هذا بما أن السلف يجب أن يكون سبقنا إليها؟ ماذا لو لم تظهر تلك المسألة إلا أمس أو اليوم صباحا؟ وماذا عن المسائل التي تبقى تطرح نفسها منذ قرون، مثل مسألة التطور، دون أن يتمكنَ العلماء والمشايخ من إيجاد حل لها؟ هذا الجبلُ الذي رفعه ابن حنبل سَبَقَ جبالا أخرى وضعها المئات من العلماء بعده، حواجز لا يمكن للتطور أن يجتازها. هكذا أُغلقَ وكُمّمَ وحُنّطَ الفكرُ الإسلامي مثلما تُحَنَّطُ المومياء عند الفراعنة.
*ترجمة: بوكروح وليد