مكبرات الصوت في زمن الأنترنت
أجمل ما في الجملة الشهيرة التي قالها رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، التي خلّدته أكثر مما خلّدته تأبينيته البديعة للرئيس الراحل، عندما صاح بـ”طاب جنّانا” فاستعمل صيغة الجمع، ولم يقل “طاب جناني” بالمفرد، وواضح أن الرئيس الذي “طاب جنانو” ويرغب في المزيد من الحكم، ليس وحده في حكاية البساتين الناضجة، ففي الأوراس، حيث نطقت أول رصاصة منذ ستين سنة، باشر بعض المطبّلين سواء للرئيس أو لمعارضه إبن المنطقة، في التحضير لما يسمى مجازا “حملة انتخابية”، حيث فتحوا محلات، وباشروا في اقتناء الأعلام ومكبرات الصوت وتكبير صور المترشحين، لأجل تعليقها في الجدران، التي مازالت لم تتخلص بعد، من صور وبيانات وبرامج بعضها تتحدث عن النظافة، تعود إلى سنوات طويلة، وبقدر ما يقدم المترشحون أداء هزيلا، يرد الشارع، الصدى من دون تحريف.
ما يتابعه الجزائريون من موائد مستديرة ومواجهات إعلامية هي أبعد ما تكون عن المناظرات، عبر مختلف القنوات الخاصة، وما يسمعه من التيارات الثلاثة، سواء المدعّمة لعهدة رابعة أو الداعية لمنح الفرصة لمترشح آخر أو المطالبة بالمقاطعة، تجعلنا أمام ضرورة الاعتراف بأن المستوى العام للأداء السياسي والجامعي، قد تدهور بشكل مريع، ونكاد نجزم بأننا مطالبون بانتظار عقود أخرى، ليظهر جيل آخر، لأن الرئيس قال بأن “الجنان قد طاب”، وفهم الشعب بأن كبار النظام هم المقصودون، بينما اتضح أننا كلنا في الهمّ “شرقُ وغربُ وجنوبُ وشمالُ”؟
ومن يوم إلى آخر، ومن حدث إلى آخر، يتأكد الجزائريون، بأن النظام تمكّن منذ ربع قرن، من توقيف الزمن من دون أن يعلموا، وتمكّن من مسح بطاقة الذاكرة من العقول من دون أن يعلموا، فبقي وحده وظنوا أنهم معه، فهو القادر على أن يصنع ما يشاء في السياسة الجزائرية، وعجز الشعب عن أن يصنع نفسه، والذين قدموا أنفسهم كمعارضة، أو الذين طالبوا بمقاطعة الانتخابات أو الذين تظاهروا ضد العهدة الرابعة، كانوا صورة مصغرة لنظام “طاب جنانو” مارسوا بعض الديكتاتورية وبعض التفاخر وبعض الظلم، تماما كما فعل النظام ومازال يفعل، أما الذين طالبوا بالاستقرار الذي يمنحهم مزيدا من الفرص، لأكل ما لم ينضج من فاكهة البساتين، فمازالوا كما هم يأكلون ولا يشبعون، ويكرّرون نفس العملية الهضمية التي استعملوها منذ نصف قرن، يترقبون مرشح السلطة، فيتظاهرون أمامه بالولاء الأعمى، ويجعلوه معصوما من الخطأ، ويجهزون له مواكب السيارات، مع تغيّر “ماركة” السيارة فقط، ويشغلّون الأسطوانات الوطنية ليسمعوه صيحات صليحة الصغيرة ورابح درياسة، عبر مكبرات الصوت، حيث كانت ومازالت وستبقى “الوطنية” بالنسبة إليهم موعدا انتخابيا، يجنون منه ما يريدون من غنائم.
في الجزائر النظام لا يتغير والشعب لا يتغير وحتى نغمات التطبيل لهذا أو ذاك لا تتغير، فمكبرات الصوت التي استعملت في انتخابات الميثاق الوطني والدستور في منتصف السبعينيات من القرن الماضي هي نفسها التي ستستعمل في الانتخابات القادمة، لقول ما قد قيل… منذ قرابة نصف قرن.