أبو عبيدة يجلد المتصهينين!
جاء الخطاب الأخير لأبي عبيدة، الناطق الرسمي باسم كتائب القسام، مليئا بمشاعر الإباء والاعتزاز والفخر بإنجازات المقاومة الفلسطينية ضدّ جيش الاحتلال طيلة 9 أشهر من الحرب، مُشيدا بصمودها الأسطوري، وواثقا من قرب تحقيق نصر تاريخي على العدوّ في حرب الاستنزاف الحالية، لكنّ لهجة أبي عبيدة تغيّرت حينما تذكّر عجز القادة العرب عن نصرة غزة وخذلانَ المقاومة وغرق بعضهم في التطبيع إلى أذنيه، فقال بنبرةٍ تقطر أسى وحسرة: “لقد أضحى طردُ سفير أو قطع العلاقات مع عدوٍّ يبيد شعبا عربيا مسلما حلما لأمّةٍ كبيرة سادت أممَ العالم قرونًا”!
هي حقيقةٌ مؤلمة جدّا تابعها العالمُ أجمع بذهول واستغراب طيلة الحرب، فقد حرّكت مجازر الاحتلال ضدّ النساء والأطفال وعمليات التطهير العرقي والتهجير والإبادة والتدمير الواسع للقطاع، العديد من دول العالم التي لا تربطها أيّ رابطة دينية أو قومية مع الفلسطينيين، ومع ذلك تحرّكت فيها النزعة الإنسانية وسارعت إلى سحب سفرائها من تل أبيب، احتجاجا على هذه الجرائم الوحشية ضدّ الإنسانية، ووصل الأمر ببعضها إلى قطع كافة أشكال العلاقات مع الاحتلال، كما حدث مع كولومبيا ودول أمريكية لاتينية أخرى، لكنّ الدول العربية والإسلامية المطبّعة تجاهلت ذلك كلّه، ولم تتحرّك فيها لا النزعة الدينية ولا القومية ولا الإنسانية، وآثرت صرف أنظارها تماما عما يحدث من مذابح ودمار، وأشاحت بوجوهها إلى الجهة الأخرى، فلم تُقدِم أيّ دولة منبطحة على قطع علاقاتها مع الاحتلال أو حتى استدعاء سفيرها بتل أبيب لـ”التشاور”، احتجاجا على وحشيته وجرائمه النّازية بحقّ “أشقّائهم” الفلسطينيين، وأحسنُ موقف هو الذي اتّخذته تركيا بقطع علاقاتها التجارية مع الاحتلال في حين بقيت سفارتُها بتل أبيب مفتوحة كما بقيت سفارة الكيان مفتوحة بأنقرة وعلمُها يرفرف شامخا فوقها!
ولم تتوقّف الخيانة والانبطاح عند هذا الحدّ المخزي؛ إذ بادرت الإمارات العربية المتحدة إلى فتح طريق برّي من ميناء دبي إلى حيفا لتزويد الكيان يوميّا بالمؤن والأغذية عن طريق عشرات الشاحنات التي تقطع دولا عربية أخرى في طريقها إليه، وهذا بغرض إفشال الحصار البحري الذي يضربه الحوثيون على الكيان منذ نوفمبر الماضي. كما أعلنت البحرين المشاركة في التحالف البحري الدولي الذي شكّلته الولايات المتحدة من عدة دول غربية لمحاربة الحوثيين وفكّ الحصار عن الاحتلال!
أمّا “أميرُ المؤمنين” و”رئيسُ لجنة القدس”، فلم تحرّكه صور الأطفال الذين تمزّق طائراتُ العدوّ ومدفعيتُه أجسادهم الصغيرة إلى أشلاء، ولا مناظرُ “أشقائه” الفلسطينيين الذين تنهشهم المجاعة في غزة، ولا مشاهد الدمار الهائل في القطاع، وتجاهل ذلك كلّه وقبِل أن ترسو بميناء طنجة سفينةٌ حربية صهيونية كانت متّجهة إلى فلسطين المحتلة لتزويد جيش الاحتلال بالأسلحة والذخائر التي تحملها، والأغرب من ذلك أنّ اسبانيا رفضت استقبال هذه السفينة تضامنا مع الفلسطينيين وحتى لا تشارك في حرب الإبادة والجرائم ضد الإنسانية ضدّهم، لكن “أمير المؤمنين” استقبلها بطيب خاطر وزوَّدها بالوقود وأحسن ضيافة طاقمها بما لذّ وطاب، وكأنّه يقول لهؤلاء السفاحين: تزوَّدوا بما شئتم ثم أكملوا إبحاركم إلى غزّة للإجهاز على من بقي من أهلها!
أليس أمرا مثيرا للسُّخرية المريرة أن يُسمَّى خائنٌ “أميرًا للمؤمنين”؟! أليس مدعاةً للتهكّم والتندّر أن ينصِّب نفسَه أيضًا “رئيسا للُجنة القدس” والحال أنّه باع القدس، بل فلسطين كلّها مقابل مصالحه السياسية الضيّقة؟! والغريب أنّ هذه المناكر والخيانات والمهازل كلّها تحدث على الملأ ولا نجد فقيها واحدا في هذه الدول يصدع بالحقّ ويعدّها خيانة لله ولرسوله وللمسلمين!
لقد دار الزمن دورة كاملة، وانقلبت المعايير، وتغيّرت المفاهيم، وماتت القلوب والضمائر، واستسلم بعض العرب لعدوّهم بشكل مذلّ، وانبطحوا أمامه كالنِّعاج التي تنتظر الذبح، واعترفوا بـ”شرعية” احتلاله فلسطين، وسمّوا هذه الخيانة السّافرة “قراراتٍ سيادية” لا يجوز لأحدٍ نقدُها، ولو نقض الاحتلالُ المسجد الأقصى حجرا حجرا وأقام مكانه هيكله المزعوم، لما تحرّكت في رؤوسهم شعرةٌ واحدة. إنّه عصرُ العمالة والنّذالة والحقارة.