أراقم عرقلة الرقمنة
يمثّل رهان الرقمنة أكبر تحدٍّ للدولة والحكومات، على اعتبار أن مسار تطبيق وتفعيل ودمج كل القطاعات في بوتقة مسار الرقمنة، مسار طويل، يبدأ بثقل وبطء وتلكُّؤ، وقد لا ينتهي لا اليوم ولا غدا.
المسألة مرتبطة بثقافة المحيط، إنسانا كان موظفا أم مسيِّرا أم متعاملا. كل جديد مرفوض في العادة، غير مقبول على وجه السرعة إلا بتسريع ضبطي وقسري وإرغامي في كثير من الأحيان. اجتماعيا ونفسيا، الإنسان يميل دوما إلى الطرق السهلة، والطريق السهل هو الطريق المتعود عليه في رأيه، حتى ولو كان الجديد طريقا أسرع وأكثر أمنا. التعود يورِّث الكسل، والروتين جزء من كسل الآلة البشرية، التي لا تحبّذ الاجتهاد، فيما خلا البعض ممن يبحثون عن الجديد والتجديد، وهذه فلسفة اجتماعية معروفة وقائمة منذ القدم، إذ كان كل حديث أو محدث يقابَل بالاستهجان وبالرفض المطلق أحيانا، إلى أن يفرض الجديد نفسه ومنطقه بحكم قوة الحاجة وحاجة القوة، في كثير من الأحيان.
ليس كل تحفظ على الرقمنة عرقلة متعمدة، لأننا نجد حتى في قطاعات التعليم العالي مثلا إطارات عليا لا يتقبلون الرقمنة ولا يقبلونها إلا بحكم المفروض والأمر الواقع الجبري. وهذا لا يؤشر على التعامل السلبي مع مسار الرقمنة، بقدر ما يعبِّر عن التعود على طريقة عمل صارت تمثل لهم طريقا ومسارا ومنهجا سهلا لا يتطلب وقتا لتحيين المعارف ولا المدارك، إلا ما خلا من باحثين شباب وحتى كبار في بعض الأحيان ممن يملكون حس البحث ومواكبة الجديد.
غير أن هذا الأمر، بقدر ما نراه طبيعيا وعاديا، لا يشكل عائقا كبيرا في مسار تطبيق التطبيقات الجديدة ومنها الرقمنة في كل القطاعات، والحيوية منها بشكل خاص. نعم، هذا يؤثر ويثقل عملية الانتقال. وهذا في حد ذاته يعتبر عرقلة لمسار يراد له السرعة في التحقق والسرعة في تحقيق المطلوب.
ما هو أصعب في الأمر، ليس صراع الأجيال في الإدارة والتسيير البيروقراطي، وضرورة تمكين الشباب المتكون الجامعي المختص أو الحاصل على تكوين علمي في مجال تقنيات الاتصال والرقمنة، من أجل فرض أنفسهم ككفاءات علمية وتقنية ضمن هذا المسار، بل هي محاربة الفساد الفعلي الناجم عن الرغبة المبيَّتة مع سبق الإصرار، في محاربة وعرقلة مسار الرقمنة للإضرار بالصالح العامّ. هذا التوجُّه قائمٌ وبفعالية وفي كل القطاعات. هناك أعشاش أراقم وعقارب تنام تحت الأحجار، وتعمل في الخفاء وتقترف الآثام وتنفث السم الزؤام في شبكة العلاقات الاتصالية ولتعاملات والمعاملات، وتنخرط في حملة مدروسة من أجل كسر شوكة الشفافية وتعتيم المناخ ليسهل لهم الاشتغال بحرية في العتمة. السارق والمجرم تستهويه الظلمة لتنفيذ مخططاته، والسلاحف تحب العوم في المياه العكرة، والحبار ينفث الحبر الأسود للتخفي والإيهام والمخادعة والتضليل، وهي كلها آليات واستراتيجيات دفاعية، يتّبعها الفاسد لتحقيق أغراضِه ومشاريعِه. أغراضُه ومخططاته واضحة: النور يُزعج ويكشف ويفضح، والظلمة تخفي وتسهِّل التهرُّب والإفلات من العقاب. الرقمنة التي تضمن للمتتبِّع على الشبكة، مركزيًّا وأطرافًا ومحيطًا ومن كل الجوانب، تضمن له “المرئية” و”الأثرية”، تساعد على تتبُّع مسار كل عملية رقمية، حسابية أو إدارية عادية أو مالية أو معلوماتية، صورة كانت، أم رقمًا أم نصًّا. المعلومة حين تسجَّل رقميًّا، لا تفقد أثرها، وكل محاولة لعرقلة أو تصرُّف فيها يفضح فاعلها. الشفافية، وعبر “المرئي” و”الأثري” في الرقمنة، يفضحان الجريمة، ومن ثم يردعان ويحدّان من تفشي الفساد. وعليه، فالأراقم التي تنام تحت الأثافي هي أخطر الحيّات على حياة الرقمنة.