أرض الرسالات تستنطق صفحات التاريخ
يعيش المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، هذه الأيامَ، أوقاتًا صعبة، وهم يرون ما حلّ بالإسلام والمسلمين، ويعاينون الذلّ والمهانة في أقسى صورها، ولا يستطيعون فعل شيء غير التواصي بالتوبة والعودة إلى الله، ورفع أكفّ الضراعة إلى الله أن يكشف هذه الغمّة عن الأمّة عامّة وعن أهل غزّة خاصّة.. إخواننا في قطاع العزّة، على الرّغم من الأهوال التي يعيشونها، إلا أنّهم ثابتون على طريقهم، راضون بقدرهم أنّ الله اصطفاهم للشهادة والآخرة، في زمن تعلقت فيه القلوب بالدّنيا العاجلة.
أهل غزّة يحيون، وغيرهم من المسلمين في ديار الإسلام الواسعة يموتون. كيف لا وقد عجزوا عن مدّ يد العون لإخوانهم؟ كيف لا وهم يرون حكام المسلمين يخذلون الأرض المقدّسة، وبعضهم يمدّ حبال الودّ إلى اليهود، ومنهم من هو غارق في الترف والترفيه سادر في سكرته بسهرات الغناء والطّرب! ويرون علماء المسلمين -إلا من رحم الله منهم- ساكتون واجمون كأنّ دماء المسلمين لا تعنيهم!
لكن، ربّ ضارّة نافعة؛ فأحداث غزّة جعلت المسلمين يعودون إلى كتاب ربّهم ليقرؤوه بقلوبهم وعقولهم بعد أن كانوا يقرؤونه بألسنتهم وعيونهم.. وعادت بهم إلى كتب التاريخ ليقفوا على مصارع الخائنين من جهة، وعلى صفحات مشرقة من نصر الله لعباده المؤمنين الصّادقين رغم قلّة العدد والعدة، من جهة أخرى.
ولعلّ من المناسب أن نعود في هذه الأسطر لنفتح صفحات في تاريخ أمتنا شوّهت بالخيانة؛ خيانة الأمراء للعهد الذي أخذته الأمّة عليهم، وخيانة بعض العلماء للعهد الذي أخذه الله منهم.. في مقابل نخوة صادقة لدى بعض الأمراء والعلماء الذين لولا ثباتهم بتوفيق الله لما قامت للأمّة قائمة.
ونبدأ من أواسط القرن الخامس الهجريّ، الحادي عشر الميلادي، حين رأى الصليبيون ما آلت إليه حال أمراء المسلمين في العراق ومصر والشام، من تنافس محموم على الدنيا وانكباب على الشهوات وتقاتل على الملك، وعاينوا كيف أنّ الخلافة العباسية بدأت تضعف حين أقبل أمراؤها على الترف، فاجتمع بابا الفاتيكان أوربان الثاني بملوك أوروبا وألقى على مسامعهم خطبته المشهورة في نوفمبر من العام 1095م، وقال لهم إنّ الوقت قد أصبح مناسبا لشن حملة مقدسة باسم الرب، ضد العرب والمسلمين، وحث ملوك الغرب على وضع خلافاتهم جانيا، وقال إنّه سيمنح الغفران لكل من يشارك في تلك الحملة، سواء من مات منهم في الطريق إلى الأرض المقدسة، أو من قتل في الحرب ضد المسلمين.
كانت الحملة الصليبية الأولى، وسقط بيت المقدس بأيدي الصليبيين في جويلية 1099م، حين كان الخليفة العباسي المستظهر بالله مشغولًا بشأنه، غارقا في الترفّه والتنعّم، وكان يتجهّز للزّواج بأخت سلطان السلاجقة الذين كانوا يحكمون بلاد الشام.. وحينما قامت الثورة في بغداد نصرة لبيت المقدس، أرسل المستظهر بالله إلى ملوك السلاجقة يطلب منهم تأديب الجماهير التي تريد أن تفسد عليه فرحته! وبدلا من أن يجهّز الجيش لاسترداد بيت المقدس، أمر بتزيين بغداد لقدوم العروس، وزُفّت خاتون بنت ملكشاه إلى المستظهر بالله في بغداد وحُمل جهازها على 162 بعيرا، و27 بغلا، ودخل بها في شهر رمضان!
بلاد الشام كانت يومها تحت سيطرة أمراء السلاجقة المسلمين الذين انشغلوا بالصراع على الملك حتى داهمهم الصليبيون واستولوا على بيت المقدس، وعلى أجزاء كبيرة من بلاد الشام.. لكن البقية الباقية من علماء الأمّة الذين ينهون عن السّوء لم ترض بذلك الخذلان المبين، فانطلقت تبثّ الحماس في نفوس قادة السلاجقة، حتى تحركوا لحرب الصليبيين، وقد كان لهم النصر في بعض المعارك.. وظل الأمر بين كر وفر، بسبب صراعات الأمراء.. حتى بزغ نجم الأيوبيين بمصر، بقيادة صلاح الدين الأيوبي، الأسد الهصور والقائد المغوار الذي طهّر مصر من العبيديين، وانطلق لاسترداد بلاد الشام من أيدي الصليبيين، وكان له ذلك، واستعاد بيت المقدس سنة 1187م، بعد أن أذلّ الصليبيين في معركة حطّين.
لم تدم الفرحة طويلا بعد وفاة صلاح الدين الأيوبي سنة 1193م، فقد عادت الصراعات بين الأمراء، حتى كان بعضهم يتعاون مع الصليبيين ضد بعض، وحتى سُلم بيت المقدس للصليبيين مرة أخرى سنة 1229م للصليبيين؛ سلّمه إليهم الملك الكامل ملك مصر ابن أخي صلاح الدين الأيوبي، سلمها إلى الإمبراطور الألماني فريدريك الثاني الذي قاد الحملة الصليبية السادسة، ليساعده الصليبيون ضدّ إخوته وبني إخوته.
دخل الإمبراطور فريديريك بيت المقدس واستلم مفاتيحها من قاضي نابلس الشيخ شمس الدين.. وقد زاد الملك الكامل الطين بلة حين أمر بعدم رفع الأذان في المدينة أثناء وجود الإمبراطور احتراما له! وبلغ الخزي مداه حين سخر فريديك الثاني من الملك الكامل ومن القاضي شمس الدين، حيث قال للأخير: “لقد أخطأ الكامل فيما فعل، لقد كان أكبر غرضي المبيت بالقدس لأسمع أذان المسلمين وتسبيحهم بالليل”.
استمرت الخلافات بين الأمراء الأيوبيين، فقام الصالح إسماعيل حاكم دمشق بالتحالف مع الصليبيين سنة 1239م، ووعدهم بأن يعطيهم بيت المقدس ومعها المسجد الأقصى وقبة الصخرة! نكاية بالصالح أيوب الذي اعتلى عرش مصر بعد الكامل!
كان أكثر علماء المسلمين ساكتين عن هذه الخيانة باستثناء عالمين، كان أقواهما وأجرأهما في الحقّ، سلطان العلماء العزّ بن عبد السلام، الذي قام بدمشق قومة الأسد، وأنكر من على المنبر تحالف الصالح إسماعيل مع الصليبيين، وقطع له الدّعاء وصار يدعو أمام الجماهير بما يفهم منه سوط ولاية الصالح إسماعيل.
في مقابل تحالف الصالح إسماعيل مع الصليبيين، تحالف الصالح أيوب سلطان مصر مع الخوازرميين المسلمين، فعبر 10 آلاف مقاتل إلى بلاد الشام وتوجهوا إلى بيت المقدس فحرروه عام 1244م، وقتلوا ألفين من الصليبيين، وأعاد الصالح أيوب بيت المقدس إلى حمى المسلمين من جديد، وبقي تحت سلطانهم لم يدخله جيش صليبي، حتى عام 1914م حين احتلته بريطانيا التي استوطنت فيه اليهود بعد ذلك، وتكررت الخيانات حتى صرنا إلى ما نراه الآن.