-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أزمة الحضارة الحديثة في مرآة بن نبي… من القوة إلى المعنى

بقلم: بوعنيقة وليد
  • 89
  • 0
أزمة الحضارة الحديثة في مرآة بن نبي… من القوة إلى المعنى

نظّم المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية الشاملة، يوم الإثنين 20 أفريل 2026، ندوة علمية رفيعة المستوى، تحت عنوان: “العلم وإرادة الحضارة: من التكديس المعرفي إلى صناعة النهضة عند مالك بن نبي”، وذلك في إطار إحياء يوم العلم لهذه السنة. وقد جاءت هذه التظاهرة الفكرية في توقيت بالغ الدلالة، إذ تتزايد الحاجة إلى إعادة الاعتبار للفكر الجاد، في زمن تتسع فيه مساحات الضجيج، وتتراجع فيه قيمة السؤال المعرفي العميق.

وتحت إشراف المدير العام للمعهد، عبد العزيز مجاهد، وبإدارة أكاديمية متميزة للبروفيسور بومدين، شهدت الندوة مساهمات نوعية قدّمها نخبة من الأكاديميين والمفكرين وإطارات الدولة، إلى جانب حضور واسع من مختلف الدوائر الإدارية والجامعية والجمعوية، ما منح اللقاء ثراءً فكريًا وتعددًا في المقاربات.

غير أنّ المداخلة التي استوقفتني بعمق، وأثارت في الذهن كثيرًا من الأسئلة، كانت تلك التي قدّمها السفير السابق مراد عجابي، تحت عنوان: “فكر مالك بن نبي في اختبار الجيوسياسة العالمية المعاصرة”. وهي مداخلة لم تكتف باستحضار أحد أبرز العقول الجزائرية، بل أعادت وضع مشروعه الفكري في قلب التحولات الدولية الراهنة، وكأنّ الرجل ما زال يقرأ العالم من بيننا.

استهلّ المحاضر مداخلته بالتأكيد على الطابع الاستشرافي العميق لفكر مالك بن نبي، معتبرًا أنّه سبق في تشخيص أزمات العالم الراهن كثيرًا من الأطروحات الغربية التي ذاع صيتها لاحقًا، مثل أطروحات فرانسيس فوكوياما وصامويل هنتنغتون. فبينما انشغل هؤلاء بتفسير توازنات القوة أو نهاية الصراع الإيديولوجي، كان ابن نبي يتجه إلى الجذر الأعمق للأزمة: أزمة الإنسان حين يفقد فاعليته التاريخية، وتختل علاقته بالفكرة والزمن والغاية.

وتوقّف المتدخل عند عدد من المفاهيم المؤسسة في مشروع ابن نبي، وفي مقدمتها مفهوم القابلية للاستعمار، الذي لا يحصر الاستعمار في وجود قوة خارجية، بل يربطه أولًا بحالة داخلية من الضعف والوهن وتعطل المناعة الحضارية. كما استعرض مفهوم العالمية الذي يختلف عن العولمة؛ فالعالمية عند ابن نبي تفاعل إنساني قائم على التكامل والاعتراف المتبادل، بينما قد تتحول العولمة إلى هيمنة اقتصادية وثقافية إذا انفصلت عن القيم.

وتناول كذلك ثلاثيته الشهيرة: الأفكار، الأشخاص، الأشياء، وهي معادلة دقيقة لفهم النهوض والسقوط. فحين تتصدر الأفكار المشهد، يتحرك الأشخاص لبناء الأشياء. أما حين تُقصى الفكرة، يصبح الإنسان أسير الاستهلاك، وتتحول الأشياء إلى غاية بدل أن تكون وسيلة.

ولم تبقِ المداخلة هذه المفاهيم في حدود التنظير، بل أسقطتها على واقع دولي متحوّل، من توسع مجموعة “بريكس”، إلى تداعيات القضية الفلسطينية، وصولًا إلى التحولات الجارية في النظام المالي العالمي. وهنا، بدت أفكار ابن نبي أكثر حيوية من كثير من القراءات المعاصرة، لأنها لا تفسر الحدث فقط، بل تفسر البنية التي تنتجه.

وقد خلص السفير مراد عجابي إلى أن فكر ابن نبي لم يكن مجرد تشخيص للداء، بل تضمن وصفات عملية للخروج من المأزق، من أهمها الاستثمار في صناعة الأفكار، وبناء تعددية دولية حقيقية، وممارسة النقد الذاتي بدل الاكتفاء بلوم الآخر. وختم مداخلته بعبارة بليغة تستحق التأمل: إن ابن نبي ليس نبيًا يُعبد، بل بوصلة تُستعمل، وفي هذا العالم الذي فقد قبلته، ربما كانت البوصلة أشد ما نحتاج إليه.

وهي عبارة تختصر الكثير. فالأمم التي تفقد بوصلتها لا تنقصها الوسائل بقدر ما ينقصها الاتجاه. وقد كان مالك بن نبي من القلائل الذين فهموا أن أزمة العالم الحديث ليست فقط أزمة موارد أو تقنيات، بل أزمة معنى.

جميلٌ، أن نرى مثل هذه المجالس الفكرية تعود إلى الواجهة، في زمن غاب فيه الوعي، واتّسعت فيه مساحات الحشو السطحي. فالعودة إلى فكر ابن نبي ليست استذكارًا لاسم لامع في تاريخ الفكر فحسب، بل عودة إلى مشروع حضاري سبق زمنه، وقرأ أزمات الإنسان الحديث قبل أن تتفاقم.

لقد تجاوز ابن نبي كثيرًا من الأطروحات التي اختزلت الحضارة في التقدم التقني، أو القوة الاقتصادية، أو الهيمنة السياسية، مؤكّدًا أن الحضارة معادلة متكاملة قوامها الإنسان، والتراب، والوقت، تُفعّلها الفكرة الموجِّهة والروح الحية.

واليوم، ومع ما يعيشه العالم من قلق وجودي، وتفكك اجتماعي، وأزمات معنى رغم وفرة المادة، يتأكد عمق تشخيصه حين نبّه إلى أن الحضارة التي تُبنى على المادة وحدها تحمل في داخلها عوامل إنهاكها. فالمادة تمنح الوسائل، لكنها لا تمنح الغاية؛ وتوفّر الرفاه، لكنها لا تصنع السكينة؛ وتنتج القوة، لكنها لا تضمن العدالة.

لقد أدرك ابن نبي مبكرًا أن الروح ليست نقيض التقدم، بل شرط استمراره، وأن الإنسان إذا فقد بوصلته القيمية تحوّل من صانع للحضارة إلى مستهلك لأدواتها. ومن هنا، تبدو أفكاره اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى، فالعالم لا يحتاج فقط إلى مزيد من التكنولوجيا، بل إلى استعادة المعنى، وإحياء الإنسان من الداخل، لأن سقوط الروح بداية تآكل العمران.

إن استحضار مالك بن نبي اليوم ليس وفاءً للماضي، بل استثمار في المستقبل. فالأمم التي تكرم مفكريها لا تحتفل بهم بوصفهم ذكريات، بل تستخدمهم أدواتٍ للفهم والبناء. وربما كان هذا هو الدرس الأهم من هذه الندوة: أن النهضة تبدأ حين يعود الفكر إلى قيادة الواقع، بدل أن يبقى مجرد شاهد على انهياره.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!