أشعب لنصرة حلف الفضول
انتهى لقاء تنسيقية التغيير بالدعوة إلى مرحلة انتقالية تؤسس للديمقراطية، بعد مهرجان خطابي ساخن، تألق فيه رموز من السلطة من رؤساء الحكومات السابقين، وبعض رموز جبهة الانقاذ، في محاولة لاستعادة روح لقاء “سانت إيجيديو”، أو تشكيل ما يشبه “حلف الفضول” قد دعي له “أشعب” وإخوانه.
النزر القليل مما نقلته وسائل الإعلام، لا يكفي للحكم بكل موضوعية على أول لقاء جاد لأقطاب المعارضة يعقد منذ قرابة ربع قرن، لكنه كان كافيا لمعاينة حدود الحراك القادم للمعارضة، سواء حيال مسار تعديل الدستور، أو لمواجهة الاستحقاق التشريعي المبرمج بعد التعديل.
فالمعارضة التي قاطعت الحوار حول تعديل الدستور، تكون قد سهلت على النظام مهمة إعادة تكييف الدستور مع حاجته الملحة لتثبيت نظام حكم يؤمن فيه موقع الرئاسة، ويمنع تدخل البرلمان مستقبلا في تشكيل الحكومة، في صيغة هي أقرب للنظام الرئاسي منها لنظام مختلط.
هذا السيناريو لم يتعرض له المشاركون في اللقاء بالتحليل والاستشراف، أو بالبحث له عن استراتجية قادرة على إبطاله أو تعطيله، وقد تمسكوا بتلك الدعوة الحمقاء لمرحلة انتقالية تحتاج في الحد الأدنى: إما لموافقة طوعية للنظام وهو أمر مستبعد، أو إلى تجنيد الشارع وهو احتمال أكثر من مستبعد، بعد انهيار قوة الدفع في إعصار ربيع الشعوب.
ثم إن أبرز الأحزاب المشكلة للتنسيقية هي في تراجع، بحبل من السلطة وحبل من قياداتها الخاملة، فحركة حمس: أقوى الأحزاب الإسلامية بعد جبهة الانقاذ، فقدت الكثير من الزخم الشعبي الذي اكتسبته في عهد المرحوم محفوظ نحناح، وتحتاج إلى كثير من الوقت لتمحو صورة حزب السلطة الذي شارك في التحالف الرئاسي، كما تراجع حضور جبهة القوى الاشتراكية، الغائب عن معظم الاستحقاقات السياسية في العقد الماضي، وما يزال الشيخ جاب الله يناضل داخل نفس الدائرة النرجسية المغلقة، لا يكاد ينتهي من بناء حزب حتى ينفض الجمع من حوله ويتركه قائما يؤم الأشباح، أما بقايا جبهة الانقاذ، فقد توزعت بين فريق تغازله السلطة، وفريق تستقوي به معارضة، بعضها كان من ألد المحرضين على إقصائها.
استعانة المعارضة بالشخصيات المستقلة، تذكرني بدعوة بعض المقربين من ستالين خلال الحرب العالمية الثانية للاستعانة بالفاتكين، فكان رد ستالين المبكت: كم يمتلك الفاتكان من فرقة مدرعة؟” فحق لبعضهم أن يسأل: بصرف النظر عن اللقب الذي يدينون به لخدمة النظام على رأس الحكومة، ماذا بيد هؤلاء لتسويد صفوف المعارضة وتقوية شوكتها؟
لا أريد تثبيط العزائم بالتقليل من شأن المعارضة، لكن حصيلتها خلال ربع قرن تشهد عليها بالضعف والقصور، لأنها ـ وباستثناء جبهة الانقاذ ـ قد ولدت كأحزاب نخبوية، على قطيعة مع القواعد الشعبية، ولم تكن لها الشجاعة الكافية لتعترف بهذا الضعف، ثم تنزل إلى الجزائر العميقة في الأرياف وأحياء جغرافية الفقر والإقصاء طلبا للمدد الحقيقي، وقبل ذلك التعرف على هموم وكوابيس المواطنين، قبل التطلع إلى صناعة الحلم المشترك لأربعين مليون مواطن، أغلبهم على قطيعة مع النظام كما مع من يدعي المعارضة.