“أميون” ومترشحون من دون مستوى يتزاحمون على “كعكة” البلديات
تكشف كل مرة وزارة الداخلية عن المستوى التعليمي للمترشحين للمجالس البلدية والولائية، فيٌصدم المواطنون للأمر، خاصة وأن نصف المرشحين والمنتخبين لا يتعدّى مستواهم الابتدائي. فيتساءل العامّة، هل من المنطقي أن تٌسير بلدية أو مجلس ولائي، من أشخاص غير مٌطلعين على قوانين الصفقات العمومية وعلى الإجراءات القانونية، ومنهم من لا يعرفون حتى كتابة أسمائهم ولايملكون دراية بأبجديات التكنولوجيا الرقمية، والتي تسهل عليهم مهمة التسيير وتحميهم من التورط في قضايا جنح وجنايات؟
كشف وزير الداخلية، نور الدين بدوي، أن 75 بالمائة من المترشحين للمجالس الشعبية البلدية دون المستوى الجامعي و30 بالمائة منهم لا يتعدى مستواهم الابتدائي، ما يطرح إشكالية كبيرة من مستوى المسؤولين الذين يسيرون الحياة الجوارية للمواطن.
ولطالما ندّد سياسيّون ومواطنون بظاهرة ترشح أشخاص لا يتعدّى مستواهم الابتدائي، خاصة ونحن على مشارف 2018، أي في زمن التكنولوجيا الرقمية ومختلف القوانين الوضعية، فكيف سيفرق المنتخب بما له وما عليه، وهو يجهل أبسط قوانين إبرام الصفقات العمومية؟
وفي هذا الصّدد، سبق لرؤساء بلديات أنفسهم، التنديد بظاهرة ترشح ذوي المستوى التعليمي البسيط، ومنهم رئيس سابق لإحدى بلديات بجاية، والذي وجه مراسلة إلى رئاسة الجمهورية، مقترحا إمكانية إدراج مادة تشترط مستوى دراسي معين ومعقول للترشح، في المجالس الشعبية بمختلف درجاتها، وذلك من أجل درء ما وصفه بـ “الرّداءة والدناءة في تسيير شؤون المجالس، وإقامة مجتمع مبني على الكفاءة والعلم”، ومتسائلا “كيف يحق قانونا لشخص لا مستوى له أن يترشح لرئاسة مجلس شعبي بلدي، بالمقابل لا يحق له قانونا الترشح لمسابقة التوظيف على مستوى نفس البلدية، لتقمص أدنى الرتب في السلم الإداري؟؟”.
“الشروق” اتصلت برؤساء بلديات، مستفسرة منهم عن علاقة المستوى التعليمي بالتسيير الصحيح والقانوني لمجلس بلدي أو ولائي؟
الرئيس السّابق لبلدية سيدي أمحمد، مختار بوروينة:
على “المير” التمتع بخلفية تكوينية وتعليمية وثقافية لفهم ما يدور حوله
اعتبر رئيس بلدية سيدي أمحمد السابق، بوروينة مختار أنه من الناحية القانونية، لا يشترط في المترشحين للانتخابات المحلية، شرط الحصول على مستوى دراسي معين.
لكن، يرى المتحدث، نحن على مشارف سنة 2018، وكما أن رؤساء البلديات يتعاملون مع ترسانة كبيرة من القوانين، وهو ما يحتم على المترشح لهذا المنصب، أن يتمتع بخلفية تكوينية وتعليمية، ومستوى علمي وثقافي، يمكنه من فهم القوانين ومن فهم ما يدور حوله، وأن يجنب نفسه الوقوع في أغلاط قانونية قد تكلفه الكثير.
رئيس بلدية باب الواد، عثمان سحبان:
المير البسيط في مستواه التعليمي “تحَّقْرُو” الإدارة
أكد رئيس بلدية باب الواد، عثمان سحبان المتخرج من جامعة أوكسفورد ببريطانيا في 2002 في الطيران ومتحصل على الكفاءة المهنية في المحاماة، أن البلدية تعتبر النواة الأولى في المجتمع، وعلى رئيسها أن يكون قويا مع الإدارة وإلا “حقروه”، خاصة وأن الولاة ورؤساء الدوائر لهم مستوى تعليمي مرموق، حسب تعبيره.
وهو ما جعله يؤكد أن المستوى التعليمي أكثر من مهم للمنتخَب “بل ضرورة قصوى”، موضحا “رئيس البلدية هو رئيس لجنة الصفقات العمومية، وهو ما يحتم عليه أن يكون لديه اطلاع واسع على قانون الصفقات، والمير أيضا هو مسؤول على النقابات، فكيف يناقش النقابيين وهو لا يعرف قانون العمل”.
رئيس بلدية الدويرة، جيلالي روماني:
“المير” الملم بالأمور القانونية محمي من التورط في الفساد
وبدوره، يرى رئيس بلدية الدويرة، جيلالي روماني، أن المشرع الجزائري لم يشترط مستوى تعليميا معينا للمترشحين، بل أقر أن الترشح حق لكل مواطن جزائري.
لكن ومن خلال تجربته على رأس بلدية الدويرة، وباعتباره شغل منصب أستاذ مكون بقطاع التربية، فقد تأكد أن المستوى التعليمي له أهمية كبيرة في ظل “العصرنة والرقمنة والتطور التكنولوجي، ومن الضروري أن يكون “المير” مّلما بالأمور القانونية”.
ومعتبرا، أن النجاح في التسيير مرتبط بترشح ذوي الكفاءات “ليخدموا أبناء بلديتهم، ويحموا أنفسهم من الأخطاء التي قد تقودهم إلى العدالة، بسبب جهلهم بالقانون”.
رئيس بلدية الجزائر الوسطى، عبد الحكيم بطاش:
المير الحقيقي يحتاج الإرادة وليس الشهادة
وعلى النقيض، أكد رئيس بلدية الجزائر الوسطى، بطاش أن بعض المناصب السياسية على غرار رؤساء البلديات وحتى الوزراء لا ضرورة فيها لمستوى تعليمي معين مثل الليسانس، على غرار ما هو موجود في جميع دول العالم، موضحا “رؤساء البلديات منتخبون، وما يلزمهم هو الإرادة الحقيقية للعمل في الميدان، أما المستوى فنحتاجه في المصالح والإدارات المهتمة، خاصة بالجانب المالي والتقني”.
ويعتبر محدثنا، أن البلدية ذات نمط اجتماعي، لتسييرها لابد من قدرة وموهبة، أما التكوين فيجب توجيهه لموظفي الإدارات.
رئيس الكتلة البرلمانية لتحالف حركة مجتمع السلم، ناصر حمدادوش
القوانين الحالية تسبق “الشكارة” على الشهادة
أما عن وجهة نظر الأحزاب السياسية، فيرى النائب ناصر حمدادوش، أن تصريحات وزير الداخلية بشأن المستوى التعليمي للمنتخبين، يعبر عن إرادة لتكريس هذا المستوى، حيث قال “عندما ترفض مقترحاتنا بفرض شروط المستوى العلمي والمسار السياسي وتراكمية الخبرة والتجربة، بحجج أن الديمقراطية والتمثيل الشعبي لابد أن يكون حرا، وأن لا نعتدي على حق دستوري في الترشيح والترشح، ولكنّ هذه الحصيلة لا تشرف أداءات مؤسسات الدولة، وتؤثر سلبا على مستوى أداء المنتخبين المحليين”، محملا جزءا من مسؤولية ذلك، للأحزاب السياسية والناخبين.
وبشأن مرشحي تحالف حركة مجتمع السلم، فيؤكد حمدادوش “نحن دائما نضرب المثل في حسن الترشيح الديمقراطي والترشح بالكفاءات والمستويات التي تشرّف الحركة والانتخابات ومؤسسات الدولة، ولا يمكن تعميم ذلك على كل الأحزاب”.
القيادي بحزب جبهة التحرير الوطني خلدون حسين:
عدم اشتراط الشهادة للأميار حق أريد به باطل
تأسّف القيادي بحزب جبهة التحرير الوطني حسين خلدون، لكون السلطة تنادي بتطوير أساليب التسيير، والرفع من مستوى المنتخبين مع دعم صلاحيات الأميار، ومع ذلك نجدها تفتح باب الترشيحات للجميع، من باب الحفاظ على الديمقراطية وفتح المجال للجميع، معتبرا أن عدم اشتراط شرط المستوى التعليمي للمترشحين هو “حق أريد به باطل” حسب وصفه، متسائلا “كيف يستطيع منتخب بمستوى تعليمي محدود من إبرام الصفقات العمومية ومراقبة المشاريع”.
ليشبه المتحدث منصب “المير” ورئيس المجلس الولائي في ظل هذه الظاهرة، إلى البحث عن منصب شغل للاسترزاق وزيادة النفوذ فقط، وليس “خدمة الصالح العام”.
وأكد خلدون أن هذه الظاهرة لم تكن موجودة في عهد الحزب الواحد، أين كان يختار الشخص لكفاءته ووطنيته.
ويحذر المتحدث من ظاهرة عزوف المواطنين عن الانتخاب إذا ما استمر الوضع على هذه الحالة.