أوراق من رصاص
في الثاني من شهر سبتمبر من عام 1988 انتقلت إلى رحمة الله – عزّ وجل- روح رجل كان فترة من الزمان ممن يشار إليهم بالبنان، حيث كان من مناضلي حزب الشعب الجزائري وخلفه حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية.
لقد وصلني منذ بضعة أيام عن هذا المناضل تحت العنوان أعلاه، وهو المناضل الشاذلي المكي، الذي رأى النور في عام 1913 في خنقة سيدي ناجي من ولاية بسكرة، وتوفاه الله في مدينة الجزائر عن خمس وسبعين سنة.
إن الذي أخرج هذا الإنسان من عالم النسيان هو الأستاذ فوزي مصمودي، حيث بذل جهدا كبيرا ووقتا طويلا في جمع جزء مما خطّته يدا هذا الأستاذ من مقالات.. وليس هذا العمل بأول أعمال الأستاذ فوزي، ونطمع أن يزيد، لأن أعماله كثيرة منها ذو طابع تاريخي، والتاريخ، كما يقول الشاب رمضان حمود: “يحيي الأمم، ولكنه قد يقتلها إذا شربته في كأس غيرها”. والأستاذ فوزي حجة على كثير من المثقفين القاعدين، إذ لم يلق معاذيره، فأثرى المكتبة الجزائرية بحوالي ثلاثين كتابا نصفها نشر في الناس.
بعما حفظ الشاذلي المكي القرآن الكريم بمسقط رأسه، وأخذ نصيبا من علوم اللسان العربي ومبادئ الدين الإسلامي التحق بمدينة تبسة، وانسلك في مدرسة “تهذيب البنين والبنات” للشيخ العربي التبسي، والتحق بالمدرسة الفرنسية.
التحق بجامع “الزيتونة”، وكان من مؤسسي “جمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين”، ورأسها من عام 1935 إلى عام 1939، وأخرجت مجلة تسمى “الثمرة الأولى” قبل الحرب العالمية، و”الثمرة الثانية” بعد الحرب، وكان ممن مسّهم بطش فرنسا بالسجن والتعذيب.
حكم عليه بالإعدام بعد مجازر 8 ماي 1945، ولكن الله نجّاه، فالتحق بالقاهرة في أكتوبر 1945، فعزز نشاط الأستاذ الفضيل الورثلاني في التعريف بالقضية الجزائرية وكشف الجرائم الفرنسية.
عند اندلاع الثورة في نوفمبر 1954، كان الأستاذ الشاذلي ممن بقي في “عالم الأشخاص”، مواليا للسيد ميصالي الحاج الذي يبدو أنه كان على “سنة” فرعون: “ما أريكم إلا ما أرى”، وربما سعى لإخبال أمر جبهة التحرير الوطني، التي عمل ممثلوها في مصر لإقناع السلطات المصرية بسجن الشاذلي المكي في 1955 ولم يغادره إلا في 1960 بعد سعي الأستاذ إبراهيم مزهودي.
عاد الشاذلي إلى الجزائر في عام 1963، فعين أستاذا إلى سنة 1966، ثم عين نائبا لمدير الثقافة في وزارة التربية الأستاذ إبراهيم مزهودي في عهد الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، إلى سنة 1979 حيث عين مديرا للشعائر في وزارة الشؤون الدينية، ليستقيل في 1982.
ضم هذا الكتاب ما وصلت إليه يدا الأستاذ مصمودي مما كتبه الأستاذ الشاذلي المكي في بعض الجرائد وملتقيات الفكر الإسلامي، رحم الله الأستاذ الشاذلي، وحمدا لله حيث لم تتلطخ يداه بدماء إخوانه في الفتنة الميصالية، وجزى الله خيرا من أحياه بهذا الكتاب، وشكرا على الهدية.