-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أي محيط في الحاضر.. لأي إنسان في المستقبل؟

أي محيط في الحاضر.. لأي إنسان في المستقبل؟

بِقدر ما أصبح بناء المحيط الذي يعيش فيه الانسان ضاغطا على حياتنا اليومية وعلى مشاريعنا المستقبلية، بِقدر ما أضعنا بناء الانسان الذي يعيش، أو سيعيش في هذا المحيط، وبقدر ما أصبحنا نعتقد أننا نوفر الأسباب المادية الضرورية لحياة الانسان بقدر ما توقفنا طيلة عقود من الزمن على الاهتمام بالجوانب الروحية والثقافية والحضارية التي بإمكانها أن تُعطي معنى لحياة الانسان، إن مشكلتنا تَكمن بالأساس في هذه الرؤية المضطربة بين بناء الانسان والمحيط الذي سيعيش فيه…

ولعل المفارقة الغريبة في هذا المجال أننا بقدر ما نُهمل بناء الإنسان نُسيء بناء المحيط الذي سيعيش فيه، وبدل أن نتمكن من تجسيد ولو جانب من متطلبات حياة الانسان نَفقد الجانبين معا، يتجلى ذلك في أكثر من مستوى وعلى أكثر من صعيد: الجهد الذي نبذله في بناء حي سكني، أو الأموال التي نُنفقها لشراء وسائل نقل، أو المحاولات الكثيرة لتطوير مرافقنا العمومية غالبا ما تعرف مصيرا مخالفا لما اعتقدنا أنها ستكون عليه، وتؤدي إلى نتائج غير تلك التي كان ينبغي أن تؤدي إليها لو تم إنجازها أو تمت إقامتها بالتوازي مع بناء الانسان بالكيفية التي تُمكِّنه من إدراك قيمة هذه الأشياء المادية وأسلوب التعامل معها والحفاظ عليها والاستفادة منها…

لذا غالبا ما نجد التخريب يطال كل شيء، والاعوجاج هو سمة ما ننجزه،  والإهمال يكاد يكون نتيجة في آخر المطاف تطال ما سمَّيناه تطويرا للمحيط. مساكننا، أحياؤنا، مدارسنا، طرقاتنا، مرافق التسلية أو الراحة، حدائقنا، ويصل الأمر أحيانا إلى داخل بيوتنا، حيث تُصبح مساكن بلا روح مجرد غرف متراصة أو جدران بها بعض الألوان الزيتية، وعلى أكثر من صعيد تتجلى مشكلة بناء الإسنان عندنا، في التعامل مع التكنولوجيا المتقدمة مثل الحواسيب أو الهواتف الذكية، أو مع السيارات التي لا تخلو من حواسيب تُسيِّرها أو بطاقات ذكية، بل وفي اللِّباس الذي نَلبس والكيفية التي نَحتسي بها القهوة أو نتناول بها فطور الصباح أو الغذاء… ولا أتحدث عن كيفية ركوبنا الحافلة أو وقوفنا في الطابور في البريد أو عند انتظار دورنا في أي مكان كان…وتُصبح الأمثلة أكثر فظاعة عندما نصل إلى الحديث عن كيفية دخول شبابنا لملاعب كرة القدم والكلام الذي يُسمعونه للاّعبين والحُكَّام، في الحالتين عند الربح أو الخسارة…

وعشرات، بل مئات الصور يمكننا التقاطها في أي مكان نذهب إليه، من الكيفية التي يتناول بها النادل في المطعم الصحون المليئة بالطعام إلى عجزنا عن وضع أحذيتنا بطريقة منتظمة ونظيفة عند دخول المساجد.

في كل مستوى من هذه المستويات، سواء عَلَت أو كانت دون ذلك يتجلى المشكل الثقافي لدى الانسان، وتُصبح الأشياء التي يصنعها، أو التي يجعل منها أساس حياته، بلا روح ومعبرة على درجة سفلى من التطور الحضاري.

غالبا ما نجد التخريب يطال كل شيء، والاعوجاج هو سمة ما ننجزه،  والإهمال يكاد يكون نتيجة في آخر المطاف تطال ما سمَّيناه تطويرا للمحيط. مساكننا، أحياؤنا، مدارسنا، طرقاتنا، مرافق التسلية أو الراحة، حدائقنا، ويصل الأمر أحيانا إلى داخل بيوتنا حيث تُصبح مساكن بلا روح مجرد غرف متراصة أو جدران بها بعض الألوان الزيتية.

ولا ينتبه السياسي أو المسؤول لدلالات مثل هذه الصور، وتبدو له وكأنها ليست ذات أهمية، ويغوص في الحديث عن”الانجازات” الكبرى التي تمت وكأنها أُنجزت لغير الانسان، ويتحوّل المعنى الحقيقي للحياة الذي يُنظَر لها من خلال الروح التي تحمل والانعكاسات الأخلاقية والثقافية والقيمية التي تترك، إلى معنى سطحي يقيسها بالكيلومترات الطولية أو آلاف أو حتى ملايين الوحدات السكنية أو المقاعد البيداغوجية، ناسيا مَن يمشي في هذه الطرقات ومن يسكن هذه المساكن ومن يجلس في هذه المقاعد البيداغوجية

لذا، تجدنا نحتار وقد أصبحنا غير قادرين على أن نُحافظ على ما نُحقق من نتائج على مستوى التعليم أو البناء أو الإنجاز، كل ما نقوم به لا يُحدِث التقدم المنشود… ويتحصّر الكثير منا، رغم رفضه للماضي الاستعماري، على تلك الصور الجميلة لمدننا قبل الاستقلال، على طبيعة التهيئة العمرانية المتناسقة التي كانت تعرفها، ويقف أحيانا مذهولا أمام درجة التخريب التي طالت بعض الحدائق العمومية أو الشوارع أو السكك الحديدية ودرجة التشويه التي طالت حتى المقاهي والفنادق والمزارع الفلاحية، ناهيك عن البناء العشوائي في كل مكان وإلغاء كل تصور منسجم للمدينة والمحيط الذي ينبغي أن تعرفه أو تكون عليه…

ينبغي أن نجد تفسيرا لهذا، لا أن نهرب منه.

رغم ما في الثقافة الاستعمارية من إقصاء وتحطيم لثقافتنا الوطنية، إلا أنها كانت منسجمة مع نفسها ومحيطها، كان إنسانها في مستوى المحيط الذي أنجزه، يعيش في انسجام معه، ويستمتع بذلك، أي بما كان يُعبِّر عن الثقافة والحضارة التي كان يُمثِّلها.

لم يكن يُعجبنا ذلك، ولم نكن جزءا منه، وكانت غالبية الشعب الجزائري تعيش خارج هذا المحيط… هذه ليست المشكلة التي تهمنا اليوم، ذلك أن المستعمِر كان يَحمل ثقافة ويُعبِّر عن درجة من التطور الحضاري وكان يُنتج محيطا منسجما مع هذه الحضارة.

وخارج المدينة الاستعمارية، كان الجزائري هو الآخر، يعيش محيط البداوة أو الريف ويُنتج البناء الملائم لذلك، وكان منسجما مع تلك الحياة، وكان محيطه في مستوى الانسان الذي ينُتجه ويعيش فيه.. لم يكن التضارب أو التناقض هو السّيد، ولم يكن الانسان الريفي أو البدوي يعيش في تناقض أو دون مستوى المحيط الذي أنتجه بنفسه على بساطته، لذا كان يحتقر المدينة الكولونيالية التي لم تكن تعبر عن ذاته، وكان يرفض العيش فيها لأنه مدرك أنها ستفقده نفسه وقيمه، إلى أن تحرك لديه الوعي بأن المدينة هي له، وهي نتيجة خيرات بلاده وما الآخر إلا دخيلا صَنَعها بتلك الصورة ليُغير طبيعة المكان، وينشر قيم ثقافة ويُرسيَ دعائم حضارة أرادت أن تستوطن في هذه الأرض.

ونحن لا نناقش هنا مسألة كيف كان الاستعمار من منظوره ـ حضارة ـ وكيف كان على حقيقته ومن منظورنا نحن إبادة، هذه مسألة أخرى، نحن نناقش ما الذي يحدث عندما نبني محيطا من غير إنسان يحمل ثقافة تجعل ذلك المحيط، منسجما مع مستوى معين من التطور الحضاري، لماذا لا ننجز اليوم مدنا أو أحياء أو طرقا أو مدارس أو جامعات أو مستشفيات ونكون في مستوى ذلك الهيكل الذي صنعناه، ألا يُقدِّم لنا السلوك المشوّه الذي نسلكه، في أكثر من مستوى، والتخريب الذي نمارسه، والسلوك غير المنسجم مع المحيط الذي نبنيه ومع الجامعة التي ندرس بها أو السوق التي نقصدها… الدليل القاطع أننا بالفعل نبني المحيط وننسى الانسان الذي سيعيش فيه، وعلينا أن نصحح هذه المعادلة…؟

إنها بالفعل مشكلة، تحتاج منا أكثر من تحليل…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • تواتی عادل

    مقال جميل. ..
    اللهم إلا المثل الذي ضربته

  • عبد الوهاب بافلح

    فهذا تفاعل مع المحِيط أفرزتْهُ الطبيعة الجديدة له (أناس لا يتكلمون اللغة الفرنسيَّة).
    إذن فالإنسان الحامِلَ للمشروع (الدعوة) يبحثُ لنفسِهِ عن محِيطٍ يفعِّلُ فِيه أفكارَهُ، ويتناسبُ مع مؤهلاته وقدراتهِ.
    هذا تعقِيبٌ على مقال الأستاذ.
    تشكراتِي للأستاذ على إثارته هذا النقاش، الذِي أدعُو إلى أن يثارَ على مستوياتٍ عالِيَة، عند أصحابِ القرارِ والفاعِلِين في الميدانِ، وكذا في المستويات الدنيا بين طبَقات الشَّعبِ المختلفة (صغارا كبارا، تلاميذا وطلابا، رجالا ونساءً) والله ولِيُّ التَّوفِيقِ.

  • عبد الوهاب بافلح

    عند دخوله المحِيط الجديد لدعوتِهِ لم يتوانَ فِي توطِيد أسس المجتمع الجدِيد (وهذا مما نعبر عنه بتفاعل الإنسان مع المحِيط) فآخَى بين المهَاجرِين والأنصارِ، ليحصُلَ على تركيبة متجانِسَة من الإنسان، وأسس المسجد النبوِي، فكان بذلك مظهر لتفاعله مع المحِيط الجديد حسَب الحاجات الملحة في تلك المرحلة.
    مثال2: الاحتلال الفرنسِي دخل الجزائِرَ (بعد عدة محاولاتٍ وعمل تجسسي) ومن أفراد الجيْشِ أربعون مترجِماً، وهذا لتفعِيل (الدعوة) التِي أتَى من أجلها إلى أرضِ الجزائِر. يتبع

  • عبد الوهاب بافلح

    الإنسان والمحِيط، هذان العنصران في تفاعل دينامِيكِي ينتِجُ منتجات تختلِف باختلافِ طرفيْهِ. فيمكنُ أن نجرِي تقرِّياً على هذه الظاهرة مكانيا وزمانِيَّا لنحْصُلَ على أوْجُهِ هذا التفاعُلِ لنيتقِيَ منه القواعِد والسُّنَن التِي جرَتْ وفقها.
    فالرسولُ صَلى الله عليه وسلم (إنسانٌ صاحِبُ دعوةٍ، ولهُ مؤهلاتٌ وصَاحِبُ تجرِبَةٍ وخبرَة، ولهُ أتباعٌ كما أنَّ لهُ أعداء، وقد مرَّ على تجربته مدة زمنِيَّةٌ كفِيلةٌ بأن تنتِجَ لديهِ تصورات وآراءَ في كيفية تنزِيلها على الواقِعِ) يتبع

  • بدون اسم

    السلام عليكم ـ المشكل هل نضج كبار السن عندنا , كل تخريب مصدره الكبار
    و الصغار بريئون لكن الانحراف يطالهم مع مرّ السنين
    الكبير عندنا تجده يسعى للتحرّر ويكبر عليه تحرّر سلبي
    مرجع ذلك لضعف المنظومتان التربوية و الأمنية و قاعدة الاعتقاد لكليهما
    قوة الشعب الجزائري بهاتين المنظومتان و عليهما التعاون و التوحّد و العمل باستقلالية لما فيه مصلحة الأجيال
    اذا كان الحرث خريفا غير سوي لا ننتظر حصاد في الصيف
    في الصغر تربية و في الكبر اعادة تربية في الصغر مدرسة و في الكبر سجن ؟؟؟؟ سؤال علينا البحث فيه .

  • لحسن السنوسي

    تابع 3 :
    فهي ستجعل الجيران يحضرون أفراح بعضهم و أتراحهم، و يتعارفـــون، و يتكافلون. ثم أن لهذه القاعات دور آخر، فاستغلالها في الأفراح خاصة لا بد أن يكون بمقابل تؤدى منه أتاوات مائها و غازها وكهربائها، و يوجه الفائض إلى الاصلاحات التي تتطلبها العمارة، كتجديد الطلاء دوريا كل بضع سنين، أما تسييرها و العناية بها فإن الجمعيات الشبانية الخيرية كفيلة بأن تتولى ذلك مجانا، فتحيا بذلك تقاليد المجتمع الأصيلة و يتصالح المجتمع مع محيطه في هذه الجزئية على الأقل.

  • لحسن السنوسي

    تابع 2 :
    أليس ممكنا بأن يخصص فضاء واسع بما فيه الكفاية، متعدد الخدمات، في كل عمارة، يكون قاعة تستخدم في المناسبات العائلية من أفراح و أتراح، يكون ملحقا بها "مقصب" (كلمة مقترحة بديلا للفظتي مذبح و مسلخ) يكون من بين استعمالاته نحر أضاحي سكان العمارة في عيد الأضحى ؟ أم أن هناك في مستوى ما رهان على إبطال هذه الشعيرة أو دفع الناس إلى التخلي عنها ؟
    إن القاعة المتعددة الخدمات المخصصة لكل عمارة كبيرة أو عدة عمارات صغيرة كفيلة بأن توطد أواصر الجوار التي أوصى بها ديننا، ... يتبع

  • لحسن السنوسي

    تابع 1:
    فإذا سلمنا بأننا مسلمون، فالمنطق و العقل يقتضيان أن ينسجم عمراننا مثلا مع إسلامنا :
    مثال : لعل من أبرز الشعائر الاسلامية في المجتمع الجزائري الاحتفال بعيد الأضحى، بذبح الأضحية،
    و الذي يتمسك بهذه الشعيرة و يقوم بها هو كل جزائري مسلم إلا من لم يستطع. وبما أن ذبح الأضحية
    يطرح إشكالا من حيث شروط النظافة، نظافة المحيط ككل، أفما كان ينبغي على مخططي أحيائنا السكنية
    أن يأخذوا هذا في الحسبان ؟ أليس ممكنا بأن تخصص بالطوابق الأرضية بالعمارات التي تنشأ محلات للاستعمال الجماعي ؟

  • لحسن السنوسي

    تحية طيبة،
    إن ما يطرحه الأستاذ سليم قلالة في مقالته هذه، و ما ينعاه على علاقة الإنسان بمحيطه، و المحيط بإنسانـه، و عدائية هذه العلاقة عندنا المتمظهرة في تخريبنا بأيدينا المرافق التي نبنيها، هذه العدائية مردها إلى غياب الفصل في مسألة الهوية، فمن نحن ؟ و ما هو مشروعنا المجتمعي ؟ إن دافع المخرب إلى تخريب المرفق هو شعوره بأنه غريب عنه و عن حاجاته الحقيقية.
    ولكي نتصالح مع محيطنا، لا بد من إنشاء محيط منسجم مع حاجاتنا الحقيقية، الروحية منها و المادية... يتبع