-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

إضراب روتيني

عابد شارف
  • 5583
  • 0
إضراب روتيني

الجزائر تحب الأخطاء، بل تمجدها، إلى درجة أنها تكررها بنفس السيناريو كل شهر وكل أسبوع وكل يوم…

قاموا بإضراب أول، وكانت الإدارة قد رفضت أن تستجيب لمطالبهم، كما رفضت أن تحاورهم بعد انطلاق العملية الاحتجاجية، ورفضت النقابة الرسمية أن تتكفل بالمطالب، فكان الإضراب عشوائيا، خارج الأطر النقابية الرسمية، ولما بدأ الإضراب، قالت الإدارة إن ذلك عمل من أعمال الشيطان، وتصرف غير قانوني وغير أخلاقي، وأنه جاء من شرذمة قليلة من أناس لا دين ولا ملة لهم، يحاولون ضرب استقرار القطاع وزعزعة البلاد…

ورغم خطاب الإدارة عن ضعف المشاركة ورفض انضمام العمال المخلصين إلى مبادرة خطيرة، إلا أن الإضراب كان شاملا، حيث انضم إليه أكثر من نصف عمال القطاع، فكان العمل مشلولا بصفة واضحة. واتضح كذلك أن خطاب الإدارة باطل، وأن كلام الوزير لم ينفع.

وعندها رفعت الإدارة دعوى قضائية ضد المضربين، وحركت قاضيا سريع الفتوى، فأصدر القاضي المحترم فتوى تحرم الإضراب وتلعن أهله وأنصاره والمشاركين فيه، لكن هذه الطريقة للضغط على المضربين لم تنفع، حيث تواصل الإضراب، بل زاد انتشارا حيث حتى الموظفين الذين كانوا مترددين شعروا بالظلم وتعاطفوا مع المضربين.

وفي هذه المرحلة من عمر الإضراب، رأت الإدارة أن عليها القيام بمحاولة جديدة لمراوغة المضربين، فأعلنت أنها قررت أن تنظم لقاء مع اتحادية القطاع التابعة للاتحاد العام للعمال الجزائريين، مع العلم أن هذه المنظمة لم تشارك لا من قليل ولا من بعيد في اندلاع الإضراب ولا في تنظيمه، وقالت الإدارة إن بداية هذه المفاوضات تشكل دليلا واضحا على حسن نية الوزارة وإرادتها الراسخة للتكفل بكل مشاكل القطاع طبقا لتوصيات رئيس الجمهورية…

ومرة أخرى لم تنجح المناورة، ولم يبق على الإدارة إلا مواجهة الوضع، واضطرت إلى الاتصال بالنقابات التي نظمت الإضراب، وتوصلت معهم إلى اتفاق مقبول، بعد أيام عسيرة. واعترفت الإدارة بشرعية مطالب المضربين…

وبعد أسابيع، عاد العمال فجأة إلى الإضراب مرة أخرى، وتكرر نفس السيناريو لأن الإدارة لم تحترم وعودها بتطبيق ما تم الاتفاق عليه. وبعد تكرار نفس الكلام الفارغ والتهديدات الباطلة، اعترفت الإدارة بخطئها، وأقسمت أنها ستطبق الاتفاق وفق برنامج تم الاتفاق عليه مع المضربين…

ونسأل الآن: عن أي إضراب نتكلم؟ هل يتعلق الأمر بإضراب عمال السكة الحديدية أم بعمال قطاع التربية، أم أن الأمر يتعلق بالموظفين؟ وكيف يمكن أن يتكرر مثل هذا السيناريو كل شهر أو كل أسبوع؟ ألا يوجد في المؤسسات الجزائرية شخص أو هيئة أو طرف ما يستطيع أن يلاحظ تكرار هذه الأزمات ويفكر في خطة أو برنامج لتفاديها؟

إن المطلوب من أية سلطة هو أن تتصرف طبقا لقواعد تفرض عليها أن تتخذ التدابير الضرورية التي تسمح لها أن تتجنب الأزمات. وإذا حدث أن تأزم الوضع، فإن على السلطة القائمة أن تباشر الحوار قبل أن يصل الصراع إلى الشارع. وإذا أخطأت السلطة في كل هذه المراحل، وإذا وصل النزاع إلى الشارع، فإن على المؤسسات أن تتجند بصفة شاملة لاحتوائه والبحث عن مخرج.

وإذا اعتبرنا أن خروج الأزمة إلى الشارع يشكل إخفاقا من طرف السلطة، فماذا نقول لما يتكرر ذلك كل شهر وكل أسبوع؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!