-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

إلغاء التعليم التقني: الخسارة الصامتة

بقلم: عيسى جرادي
  • 1027
  • 0
إلغاء التعليم التقني: الخسارة الصامتة

دون إثارة انتباه أي أحد، ولا حتى النخبة وجل المعنيين بقضايا التربية والتعليم، هُدمت قاعدة تعليمية راسخة في الجزائر كأن لم تكن، ومر ذلك في صمت وكأن لا شيء قد حدث، وطوي الملف بجملة من المواد القانونية التي تضمنها “القانون التوجيهي للتربية (2008)، بعنوان إعادة هيكلة التعليم ما بعد الإلزامي أي التعليم الثانوي، ليجري وببساطة تجاوز مضمون أمرية 1976، وتلك المكاسب التي حققها التعليم التقني الذي أمد القطاع الاقتصادي كما الجامعة بكفاءات حقيقية، تلقت تعليما متخصصا يُشهد له بالتفوق.
من اقترح الفكرة ابتداء؟ من اتخذ القرار؟ لمَ حدث هذا؟ أهو ارتجال أم مخطط مدبر؟ ماذا ترتب عن ذلك؟ وهل من فرصة لاستدراك ما خسرناه؟
هذه جملة أسئلة سأحاول الإجابة عنها، وقبل ذلك دعنا نرتد إلى الوراء قليلا.
ثانويات التعليم التقني، وما أضيف إليها لاحقا من متاقن (باعتبارها مؤسسات تعليم تقني متخصصة)، شكلت ركيزة أساسية في نظامنا التعليمي، منها ما جرت وراثته من العهد الاستعماري رغم محدودية عددها، وتركّزها في عدد محدود من المدن الكبرى، ومنها ما أنجِز لاحقا وعمِّم في أغلب المدن باعتبارها مؤسسات مستقلة عن التعليم العامّ، وقد تخرّج فيها الآلاف من حملة شهادة البكالوريا الذين التحقوا بالجامعات، ومنهم من أعيد توجيهه إلى التكوين المهني.
في المادة 37 من أمرية 76 نقرأ: (إن هدف التعليم الثانوي التقني المهني هو إعداد الشبان للعمل في قطاعات الإنتاج، ويقوم لذلك بتكوين تقنيين وعمال مؤهلين، ويهيئ أيضا للالتحاق بمؤسسات التكوين العالي. وينظم التعليم التقني والمهني بالاتصال الوثيق مع المؤسسات والمؤسسات العمومية ومنظمات العمال).
نستخلص من مضمون هذه المادة ارتباط هذا التعليم بالقطاع الاقتصادي، أي إنه تكوين بحسب الحاجة، ولم يكن تكوينا من أجل منح شهادة ورقية جوفاء، وعُبّر عنه عمليا بالتربصات التطبيقية التي يتلقاها التلاميذ في المؤسسات الإنتاجية العمومية.

ماذا حدث بعد ذلك؟
في سياق ما اعتبر “إصلاحا للمنظومة التربوية”، أعيدت هيكلة التعليم الثانوي، وبموجب المادة 53 من القانون التوجيهي للتربية ألغي التعليم التقني باعتباره تعليما متخصصا يقدَّم في مؤسسات مؤهَّلة لهذا الغرض، وأدمج في نمط تعليمي موحد بعنوان “التعليم الثانوي العامّ والتكنولوجي”، ينظَّم في جذوع مشتركة في السنة الأولى، ثم في شعب بداية من السنة الثانية، يتوَّج بشهادة بكالوريا التعليم الثانوي.
كان قرارا صامتا وأراه مدمِّرا، لم يُشفع بأي تبرير ولم يجري التطرق إلى تداعياته، ولا أدري إن كانت “موجة العولمة” التي اجتاحت ذهن الحكومة يومها هي ما أملى هذا القرار، في حين أن بعض الدول المصنِّعة يحوز فيها التعليم التقني نسبة 50% من مجموع النظام التعليمي، ويتوزع الباقي بين التعليم العامّ والتكنولوجي (النظري)؟ أم إن ترتيبات مجهولة وخفية استهدفت هذا النمط من التعليم، بعد أن سبقته إجراءات خوصصة المؤسسات الاقتصادية العمومية، القصة التي يعرفها الجميع؟

لا أدري إن كانت “موجة العولمة” التي اجتاحت ذهن الحكومة يومها هي ما أملى هذا القرار، في حين أن بعض الدول المصنِّعة يحوز فيها التعليم التقني نسبة 50% من مجموع النظام التعليمي، ويتوزع الباقي بين التعليم العامّ والتكنولوجي (النظري)؟ أم إن ترتيبات مجهولة وخفية استهدفت هذا النمط من التعليم، بعد أن سبقته إجراءات خوصصة المؤسسات الاقتصادية العمومية، القصة التي يعرفها الجميع؟

إذن، نحن إزاء مفارقة عجيبة؛ إذ يلغى التعليم التقني برمته، ويُمسح أثره جملة وتفصيلا من دون عرض أي مبرر لذلك، لم تُعقد لقاءات لعرض توضيحات على سبيل المثال، وندوات لهذا الغرض، ولم يجري تضمينه تقرير إصلاح التعليم عامة على النحو الذي رأيناه، ولم تكن المتاقن والثانويات التقنية لتعاني مشكلات – من أي نوع– لتدعو إلى سن هذا الإجراء، كان قرارا فوقيا مجهول الهوية، فما هي المبررات إذن؟ أعتقد أن هذا ما سيظل سرا تحتفظ به وزارة التربية ولا تبوح به لأحد.
قد نجهل الأسباب التي حثت الوزارة الوصية ومن ورائها الحكومة على اتخاذ هذا القرار، لكننا نعلم النتيجة التي تبدو صادمة في جانب منها، خاصة ما تعلق بإهدار الإمكانات إذا علمنا أنه قد أغلِق نحو 250 ثانوية تقنية ومتقن –بأقل تقدير- وأعني بذلك:
1- كلفة إنجاز مؤسسة للتعليم التقني باهظة للغاية، سواء تعلق الأمر بالمرافق العادية أو الورشات التقنية والمخابر، فليس أمرا بسيطا الاستغناء عن هذه المرافق لتصبح بلا وظيفة، وقد تؤول إلى الإهمال، وفي أحسن الأحوال قد تستغل بما لا يتناسب مع طبيعتها.
2- تجهيزات ووسائل ومواد خاصة بالتعليم التقني مقتناة بالعملة الصعبة من ألمانيا وإيطاليا والهند وغيرها، وستنتهي مكدسة في ورشات أو مخازن.. معرّضة للتلف أو النهب –رغم خضوعها لعملية جرد إلزامية- ورغم ما قيل عن تحويل بعضها إلى المتوسطات أو مراكز التكوين المهني أو إلى أملاك الدولة، فالثابت إلى اليوم أنها لا تزال حيث هي تصدأ وتتآكل بالتدريج، من دون أن يثير ذلك حفيظة أحد، فهذه التجهيزات مال عامّ لا يجوز بأي صورة التفريط فيه أو إهداره، فهل فكرت وزارة التربية يوم تبنيها قرار إلغاء التعليم التقني أنها ستكبّد خزينة الدولة خسائر بمئات وربما آلاف المليارات بلا طائل؟
3- هل حسبت الوزارة حساب آلاف الأساتذة، سواء تعلق الأمر بأساتذة التعليم التقني أو الأساتذة المهندسين أو التقنيين الموجَّهين للعمل في الوشات، وكلهم كفاءات وخلاصة تجارب امتدّت عقودا من الزمن، ممن سيكتشفون بين عشية وضحاها أنهم أصبحوا بلا مناصب وغير مصنَّفين في أسلاك التربية، بانتظار تقرير مصيرهم بإجراءات إدماج ليست أكثر من ترقيع فاشل.
ما حدث في الواقع هو إعادة توجيه هؤلاء الموظفين التربويين لتدريس مواد لا تناسب اختصاصهم (كالرياضيات مثلا)، أو تكليفهم بمهام شكلية تسمح بالمحافظة على مناصبهم في الخرائط التربوية لا غير، أو تدريس مواد التكنولوجيا في الجذع المشترك وبتوقيت لا يتجاوز ست ساعات أسبوعيا في المتوسط!
فكم من الوقت يلزم للتخلص من هذه المعضلة التي أوجدها قرارٌ لا يضع اعتبارا للنتائج، عندما يتعلق الأمر بقرار على جانب كبير من الخطر؟

4- خسارة تعليم إنتاجي، فبحكم وجود تجهيزات صناعية، أمكن في حالات عدة إبرام عقود إنتاج تخص قطع الغيار، يعود مردودها المادي للمؤسسة والأساتذة والتلاميذ أنفسهم، وأكثر من هذا وبالنظر إلى ارتباط هذا التعليم بالتطبيق الميداني، فإن خريج التعليم التقني في حال تلقى تكوينا رصينا وتطبيقيا، سيكون مؤهَّلا لفتح ورشته الخاصة، ولن يكون مضطرا لانتظار منصب عمل قد لا يحصل عليه أبدا.
5- إن البديل الذي اعتبر تعليم امتياز وأعني به التعليم التكنولوجي الحالي (تخصص هندسة بفروعها الأربعة) لم يقدِّم أي إضافة جدية، بل العكس أفرز في الواقع عزوفا عن هذه التخصصات التي تظل نظرية، ولا تستجيب لأي تطور في عالم التقنية، ليصطدم حامل شهادة بكالوريا تخصص هندسة، بتعليم جامعي لا يوافق رغباته، وربما انتهى موجَّها إلى تخصص لا يدري عنه شيئا!
6- تجربة ضائعة اكتُسبت على امتداد عقود من الزمن، ومكّنت الجزائر من بناء خلفية معرفية تقنية غنية، لن يكون سهلا استردادها، في ظل نظام تعليمي تتحكم فيه محددات بعيدة عن أن تكون في خدمة الاقتصاد الوطني، بقدر ما تستجيب للغة الأرقام الكبيرة التي لا تعكس بالضرورة حاجاتنا الحقيقية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!