ادعموا “أمّ الجمعيات”.. فإنها الرأسمال الأخلاقي والقيمي للوطن
جمعية العلماء هي الخيمة الكبيرة التي يمكن لها أن تستوعب كل الحساسيات والفصائل والتجمعات والتوجهات، في هذا الوطن المهدد بأخطار شتى، والذي تتربص به دوائر شر ومكر وفساد متعددة، في الداخل كما في الخارج. وقد برهنت الجمعية على ذلك فيما مضى قديما، وبرهنت عليه في لقاءاتها ومؤتمراتها وفعالياتها في الوقت الحاضر؛ حيث جمعت الأشتات المتضادين من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار إلى الوسط .. رأينا ذلك في الاستجابة الواسعة لدعوتها لحضور جمعياتها العامة ـ المؤتمر ـ كما رأيناه، واضحا ناصعا، في حملاتها لمساعدة أبناء فلسطين المظلومين في غزة (حملات التبرع لصالح غزة 1،2،3…).. ونراه في فعالياتها الفكرية الكثيرة والمتنوعة، في شعبها النشطة هنا وهناك في المدن الكبيرة كما في الجزائر العميقة؛ حيث يُقبل الأساتذة والباحثون والدعاة وأهل العلم والفضل، وهم من رؤى متعددة ومن ذوي القناعات المتنوعة؛ لكنهم يُجمعون قولا وفعلا أن العلاقة مع الجمعية والتعاون معها ثابت ومكون رئيس لا يمكن أن يتطرق إليه الشك، وأنهم لا يترددون البتّة عندما يتعلق الأمر بالجمعية، في الوفاء بالالتزامات ومد يد التعاون والتناصح والإسهام بجد في أي نشاط أو حراك. وبقدر ما يُبهج هذا الأمر ويثلج الصدر، فإنه يدعو إلى الاستفسار: ماذا يعني من حيث دلالاته؟
والجواب:
1 ـ إنه يعني الاعتراف الصريح بأن الجمعية “مكوّن جامع ” يستطيع أن يجمع المتباعدين فكرا ورؤية، فما بالك بالمتقاربين، ممن تجمعهم، أو ينبغي أن تجمعهم “الثوابت ” المعروفة.
2ـ إنه يعني أن الجمعية ذات مصداقية في أرض الواقع، ليس من حيث تاريخها الضارب في العمق والامتداد عقودا كثيرة فحسبُ، ولكن أيضا المصداقية التي رسمتها في أطوارها الجديدة، منذ أعيد بعثُها قبل أكثر من عشرين سنة.
3- إنه يعني الثقة، والثقة كما يعرف الجميع عُملة نادرة، خاصة في الأزمنة المتأخرة؛ حيث أضرت السياسة بسمعة الكثير من الأحزاب والجمعيات والشخصيات. والثقة تقود إلى القَبول والقَبول يؤدي إلى الاهتمام والدعم. وذلك هو المبتغى في النهاية لكل تجمع عامل ومنتظم دائب يشتغل لصناعة المستقبل وزرع الأمل والرجاء والخير والحق والجمال وباقي القيم الإنسانية الشامخة.
4- كما يعني أن الجمعية تحمل ـ على نحو ما ـ شرفَ هذا الوطن، وتمثل مبادئه المضيئة، وتعبر عن كونها “ملتقى ” اجتماع وإجماع من قبل المكونات الرئيسة الفاعلة في الوطن. ومن ثم يمكن لها أن تكون فضاء تلاق وتواصل وحوار… بين تلك المكونات في حالات عامة أو خاصة.
وما أكثر الحاجة في الوقت الحاضر إلى مثل هذا الإجماع في شؤون كثيرة، ومنها مشروع المجتمع الجزائري بملامحه الثوابتية وإشراقه التاريخي وانتمائه الإنساني الإسلامي الناصع الرائع.
5- إنه يعني أن العمل الثقافي والفكري والمعنوي والأخلاقي لا يقل أهمية عن أي عمل بنائي، بما في ذلك العمل السياسي، إن لم يكن العمل الثقافي أحرى بالاهتمام وأقدر على تبوأ مقام الصدارة. وهذا ما تشتغل عليه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، بناء الإنسان وتربيته وإعداده للصلاح والخير والتقوى، أي إعداده ليكون مواطنا مستقيما شريفا كريما راشدا.
6ـ إنه يعني أن الجمعية قامت على أسس سليمة صحيحة سامية، بدليل أنها مازالت ـ على مدار أكثر من سبعين عاما، تمثل “نقطة الضوء ” المشعة في فضاء الوطن، بالرغم من كل ما مر، وبالرغم من كل التشويه القبيح الذي حاول البعض إلحاقها به، وما يزال، ومن ذلك بعض الحصار غير المُعلن والمضايقة المستترة، فضلا عن الجهر بعدم الدعم من أكثر من جهة للأسف الشديد.
7 ـ إنه يعني أيضا .. بل يؤكد أن الجمعية هي “الخيمة ” الكبيرة الجامعة لأشتات الأفكار والعقول والرؤى في هذه البلاد، وفي الحق فإن هذا شيء يستوجب الاهتمام به، ويتيح لنا أن نتحدث بصراحة كبيرة عن الموقف السليم، من مختلف الأطراف، إزاء الجمعية.
* تستحق هذه الجمعية أن تُعان بكل السبل على أداء واجباتها الوطنية الكبيرة الضخمة، وورشاتها المفتوحة في كل مجال؛ خاصة مجال التربية والتعليم، والصحة، والإعلام الراشد المستنير، والسياحة الشعبية، والاقتصاد الرسالي.
إن جميعة بهذا الثقل، وبهذا الألق، وبهذا الإجماع الصريح الواضح المنعقد حولها، فضلا عن تاريخها المشعّ بالفَخَار والكفاح الدائب المستمر لترسيخ هُوية هذا الوطن وتعميق مبادئه وثوابته.. إن جمعية بذلك كله تستحق من الجميع أيضا:
أولا: أن تُدعم على أوسع وكبر نطاق، وأن تيسر لها ولأبنائها وبناتها ومحبيها وأنصارها سبُل تفعيل الخير وتحقيق المراد الشريف من أعمالها وأنشطتها، في كل موقع وفي كل فضاء إنساني لا أن يُضيق عليها وتُغلق الأبواب في وجهها، لأسباب ـ مهما كانت ـ فهي أسباب واهية وضعيفة ومردودة الحُجة، بل إنها من بعض الأوجه “جناية” على الوطن وأخلاق الوطن ورأسمال الوطن.
ثانيا ـ ومن سبل الدعم التحاق أهل الخير من أصحاب العقول والأفكار، كما من أصحاب الفضل والمال .. بركبها الوضيء النقي وانخراط الجميع في البناء والتأسيس وصناعة الفضل والخير. وأبواب الجمعية مفتوحة على الآخر، ولديها من حقول النشاط والعَمل النبيل ما يتسع للجميع في أي اختصاص أو ميدان. فمرحبا ..مرحبا بأهل الفكر والفعل والخير.
ثالثا ـ كما تستحق هذه الجمعية أن تُعان بكل السبل على أداء واجباتها الوطنية الكبيرة الضخمة، وورشاتها المفتوحة في كل مجال؛ خاصة مجال التربية والتعليم، والصحة، والإعلام الراشد المستنير، السياحة الشعبية، الاقتصاد الرسالي ممثلا في “مركز ولجنة المشاريع الاقتصادية الرسالية” التي أقامت حتى الآن نحو ثمانية ملتقيات جهوية، وتستعد لعقد الملتقى الوطني/ الدولي في مجال المشاريع الرسالية في الأشهر القادمة بحول الله. وهو نشاط متخصص، تسعى فيه لبيان موقف الإسلام العظيم في مجال النشاط الاقتصادي، والعمل على أخلَقَته وأنسنته قدر المستطاع، بعد أن تعمقت الأنانية والغش و”الهف” في النشاط الاقتصادي الوطني بشكل مرعب، في الأزمنة المتأخرة.
* الأصوب هو أن تُعان الجمعية من كل الأطراف ـ أقول كل الأطراف ـ ويسعى الجميع لدعمها وتقوية بنيانها، وييُسر لها أمر النشاط والعمل والاجتهاد، وتُفتح لها الأبواب؛ لأنها من الجميع، ولصالح الجميع، لصالح الوطن في أخلاقه، وأبنائه وبناته.
د ـ كما تستحق أيضا أن يتضامن معها الكل في كل ماتقوم به من حملات، وما تطرحه من برامج، وما تدعو إليه من أعمال وأنشطة: كالحملة ضد الكلام البذيء الفاحش، والحملات والتظاهرات المختلفة لأخلَقة المجتمع، والعمل من أجل الرقي بمستوى منظوماتنا التعليمية التربوية، والسعي لإطلاق القنوات الإعلامية الدعوية الخيرية ..الخ.
إذن… ادعموا الجمعية بكل ما يمكن من أجل أن تكون أقوى وأوسع وأفضل لاستيعاب الجميع، والمساهمة في قيادة سفينة الوطن معنويا؛ بأخلاقية ووطنية وإيمان واحتساب ووعي وجدية وصدق وإخلاص. إن الأصوب هو أن تُعان الجمعية من كل الأطراف ـ أقول كل الأطراف ـ ويسعى الجميع لدعمها وتقوية بنيانها، وييُسر لها أمر النشاط والعمل والاجتهاد، وتُفتح لها الأبواب؛ لأنها من الجميع، ولصالح الجميع، لصالح الوطن في أخلاقه، وأبنائه وبناته، لصالح المستقبل النقي الواعد؛ ولأنها - باختصار – رأسمال الوطن أخلاقيا وقيميا.