استقبال حزين للحجاج.. كأنهم عادوا من حرب ضروس
كانت الساعة تشير إلى الواحدة من أولى ساعات أول أمس الأربعاء، عندما تجمع الآلاف من أهالي الحجاج، وسط مخاوف وعصبية إلى درجة الرعب والإغماء، بمطار قسنطينة الدولي، يستعجلون خروج ذويهم من مراكز المراقبة الجمركية والأمنية، ليتحول المطار برغم برد الصباح وعتمة الليل إلى هرج ومرج وخاصة الدموع، حتى أنك تتخيل أن الذين عادوا إنما كانوا يخوضون حربا ضروسا وعادوا منتصرين.
هل بالغ الأهالي في خوفهم على حياة زوار بيت الله الحرام الذين أدوا فريضة الحج في نسختها الأخيرة 2015، هل كان لخوفهم مبرّرات أسئلة حاولنا تفكيك طلاسمها مع الأهالي والحجاج.. ولكن؟
الحاج يوسف بلغ من العمر 77 سنة من عاصمة الهضاب، سبق له وأن أدى الفريضة في عام 1987، قال ببراءة عائد من مغسلة المعاصي كما ولدته أمه: إنها الهواتف النقالة هي سبب هذا الخوف، في حجتي الأولى، سافرت ولم أهتف سوى مرة واحدة لأهلي، أما هذه المرة فهم يتصلون بي في كل ساعة، وإذا تأخرت عن الرد بسبب مشاعر الحج يقلقون ويحرقون هاتفي النقال، ومع ذلك اعترف بأن البسيكوز كان رهيبا جدا، والعودة سالما هي في حد ذاته جزاء إلهي، لأن مشاهد القتلى والجرحى وخاصة الخائفين والمصدومين لا يمكنها أن تنمحي من الذاكرة.
أما الحاجة ياسمينة من قسنطينة فتقدمت صامتة وبناتها يحضنّها، ثم انفجرت بالبكاء ولم نسمع من شفتيها سوى قولها لبناتها: ظننت أن لا أراكن أبدا؟
وفي المقابل تواجد بعض الحجاج في الخمسينات من العمر، كانوا ينشرون الابتسامة ويوصلون رسالة راقية، وهي أن الحج نعمة وعلى الجميع تحويل يوم الاستقبال إلى فرح وليس مأساة.
فتمكنوا بصعوبة من إعادة أهلهم، وكل الذين زاروا هذا المكان المقدّس، والذين يحلمون بزيارته إلى أجواء روحية تؤكد مكانة هذه الفريضة في قلوب الجزائريين الذين ابتهجوا من النسبة المضافة البالغة 20 بالمائة بالنسبة لنسخة 2016 بعد استكمال توسعة الحرم الشريف، وحتى هاته الحصة لن تكفيهم، خاصة أن الكثير من الجزائريين صاروا ضمن الذين يستطيعون إلى بيت الله سبيلا ماديا، ومن المستحيل أن تؤثر أحداث منى على نية الجزائريين في أداء الحج، وجميعهم يحفظ قوله تعالى: “وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق“، وقوله: “وإذ بوّأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا، وطهّر بيتي للطائفين والقائمين والركّع السجود“. ويعلمون أن الرسول صلى الله عله وسلم اعتبر الحج المبرور من أحسن الأعمال، وقوله عليه السلام بأن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، واعتبره جهاد الكبير والضعيف والمرأة، ويقال أن الجزائريين هم أول من سمّى لقب حاج لكل زائر لبيت الله، منذ ما قبل الدخول العثماني للجزائر، ثم أصبح كل البايات والدايات حجاجا، رغم أن بعض الفقهاء لا يستحبّون إطلاق لقب الحاج على من أدى الفريضة، لأنه لم يحدث في فجر الإسلام، وأن أطلق هذا اللقب على الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا على صحابته، ولم يُطلق أبدا على الخلفاء الراشدين ولا الأمويين والعباسيين، ويرى الفقهاء أن لقب الحج يمكن إطلاقه أثناء أداء الفريضة في مكّة المكرمة والمدينة المنوّرة وليس بعد عودته، وكل رجالات جمعية العلماء المسلمين، أدوا الفريضة جميعا من دون استثناء، وعلى رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس، الذي أدى الحج وعمره 24 سنة، فعُرف بلقب العلامة والشيخ والإمام والعالم، ولا أحد أطلق عليه إسم حاج، كما لم يُطلق لقب الحاج على الأمير عبد القادر، رغم أنه حج مشيا على الأقدام من مدينة معسكر إلى مكة المكرمة، وحاليا في عالم رجال المال والأعمال وفي البرلمان ومجالس البلديات والولايات، يتم إطلاق هذا اللقب بحثا عن بعض الأبّهة لصاحبها، وأحيانا لأجل نيل ثقة الآخرين فيتحول اللقب من دليل تقوى إلى وسيلة مراوغة.
الجزائريون كانوا يتوقفون في القدس
لم يكن الحج رحلة زيارة لبيت الله الحرام فقط، وشراء للهدايا للأهل والأصحاب، بل كان رحلة علم وسياحة دنيوية وروحية، ويعتبر الشيخ ابن باديس من أشهر من حوّل رحلته لأداء الفريضة، إلى علم نفع به أمته، حيث مكث عدة أشهر في الحجاز، وألقى درسا في الحرم الشريف، وعرّج في سفريته إلى مدينة حلوان في مصر للقاء أستاذه الأول الشيخ حمدان لونيس، كما زار القدس الشريف، وكل رجالات جمعية العلماء المسلمين أدوا الفريضة، وكان الحج بالنسبة إليهم جميعا أداء الفريضة الدينية، ونهل العلم والمشاركة أيضا في التعليم في قلب بلاد الحرمين ومنهم الشيخ العربي التبسي، الذي سافر إلى مصر والتقى جمال عبد الناصر رفقة الشيخ الورتلاني، وهناك من بقي في الحجاز وتواصل النهل والسفر إلى الحجاز إلى غاية الزمن الحديث ومن أمثال الناهلين الشيخ أبو بكر الجزائري، الذي برغم ثقل السنوات مازال لحد الآن أحد أكبر علماء الأمة المحترمين والمسموع كلامه، ويعيش حاليا في المدينة المنورة، وإذا كانت رحلة الحج التي دامت ثلاثة أشهر، عندما قادت الشيخ عبد الحميد بن باديس إلى البقاع المقدسة بداية القرن الماضي، قد تحوّلت إلى مشروع نهضة فكرية كبرى، فإن رحلة الحج في السنوات الأخيرة دخلت للأسف عالم الرعب، وبدلا من أن يعود الحجاج الجزائريون لذويهم ليرووا لهم أيام التقوى، وما شاهدوا في رحلات برية وبحرية، وجدوا أنفسهم يروون المشاكل الكثيرة التي تصادفهم خلال شهر من تواجدهم في البقاع المقدسة، ومنها مآسي رمي الجمرات وسقوط الرافعة التي أودت بحياة أكثر من ألف حاج، وأغرب ما يحدث للحجاج الجزائريين هو التيهان وعدد 61 مفقودا في حج 2015 الذي أعلنته أول أمس وزارة الخارجية رقم كبير، ناهيك عن رقم التائهين والتائهات الذي يقارب 2000 في كل سنة، والحجاج صاروا يقولون بأن الجزائر مازالت بعيدة عن التطوّر الذي تشهده المملكة العربية السعودية في مرافقها وبناياتها، حيث تُغيّب عندنا ثقافة السلالم الكهربائية والمصاعد الكهربائية تماما، وهو ما يجعل حجاجنا من كبار السن يخافون امتطاء هذه الوسائل المساعدة، كما يجدون صعوبة في تشغيل المكيّفات الهوائية والتعامل مع الفنادق الكبيرة، لأن الكثير منهم يقطن في بلديات محرومة.
وإلى غاية ستينيات القرن الماضي، كان الكثير من الحجاج يبحرون عبر موانئ الجزائر ويتوقفون في الإسكندرية ويدخلون عبر مصر إلى فلسطين، حيث يزورون القدس الشريف، ويصلّون في ساحاته ويلتقون بإخوانهم الفلسطينيين، ولكن هذه النعمة تبخرت منذ نكبة 1967 نهائيا، وفي الوقت الذي كان الحجاج في البقاع المقدسة يعيشون كابوس الحوادث الدامية، كان الصهاينة يدوسون على مسرى نبيهم صلى الله عليه وسلم.
والذي يزور هذه الأيام مختلف المطارات الجزائرية التي وفرت أمنيا وجمركيا ظروف استقبال للعائدين من بيت الله الحرام، يلاحظ الأجواء النفسية الصعبة التي يعيشها المنتظر والقادم في الوقت الذي غابت نهائيا الأجواء الاحتفالية التي عشناها في السنوا الماضية من زغاريد وبارود ومواكب السيارات.