-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

استكبارٌ واعتزازٌ بالإثم

حسين لقرع
  • 6185
  • 8
استكبارٌ واعتزازٌ بالإثم

حينما يرفض الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن تقرير شيلكوت الذي أدان فيه ضمنيا الغزو الأمريكي البريطاني للعراق في عام 2003 ويقول إن “العراق بات أفضل دون صدام حسين؟!”، فإن هذا الجواب المليء بالعجرفة والصلف يعني أن عقدة العزة بالإثم قد تملكت تماماً هذا المستكبِر، ولا أمل في أن يحذو يوماً حذو حليفه بلير ويعترف بدوره بما سبّبته جريمة غزو العراق من آثار كارثية، يمكن لأيِّ ملاحظ بسيط أن يراها بوضوح تام ودون عناء.

 لقد وعد بوش إثر غزو العراق وإسقاط نظامه في عام 2003 وقتل مئات الآلاف من أبنائه وحلّ جيشه الوطني، بإقامة عراقٍ جديد يكون “أنموذجا في الديمقراطية والازدهار والرخاء” فكانت النتيجة تدمير الدولة الوطنية ذات الهوية الجامعة لكل العراقيين، وتسليم مقاليد الحكم لعملاء أمريكا الذين جاءت بهم على ظهور دباباتها، ومن ثمة تسليم البلد لإيران، فوفّر الاحتلالُ بذلك بيئة خصبة لظهور النعرات الطائفية والعرقية بقوة، والقضاء على الهوية الوطنية الجامعة التي نجح صدام حسين في فرضها على العراقيين جميعا طيلة أيام حكمه، فظهرت النزعات الانفصالية لدى الأكراد، ودخل السنة والشيعة في حربٍ أهلية دموية لا تبدو نهايتها وشيكة، ومهّد كل ذلك الأجواء لظهور تنظيماتٍ متطرفة عديدة اتخذت أسماء مختلفة وصولاً إلى “داعش” في السنوات الأخيرة، وقد اكتسح هذا التنظيم مساحاتٍ واسعة من العراق وسوريا بين 2013 و2015 وأصبح يهدّد بتغييرٍ جذري لخارطة المنطقة.

الاحتلال وعدَ بالديمقراطية كبديلٍ لديكتاتورية صدام فجاء بالمحاصصة الطائفية والفوضى والاقتتال بين أبناء الشعب الواحد، ووعد بالرخاء والازدهار فانتشر الفقرُ والبؤس لدى فئات واسعة من الشعب، وتردّت الخدمات الأساسية بشكل غير مسبوق، وانتشر الفساد ونهبُ المال العام على نطاق واسع حتى أصبح العراق يحتل كل سنة مرتبة “متقدِّمة” في قائمة الدول الأكثر فساداً في العالم. 

وبرغم كل هذه النتائج الكارثية للاحتلال والتي لايزال العراقيون يدفعون ثمنها من دمائهم وأموالهم واستقرار بلدهم… فإنه لا يمكن الحديث عن إمكانية جرّ بوش وبلير وهوارد وغيرهم من القادة الغربيين الذين شاركوا في جريمة غزو بلد عربي مستقل عضو في الأمم المتحدة، إلى الجنائية الدولية لمحاكمتهم على ما اقترفوه في حق العراق وأبنائه وعلى تدميرهم الدولة الوطنية وتحويل العراق إلى دولةٍ فاشلة تنخرها الحربُ الأهلية ويهدّدها التفسّخ والتقسيم؛ فالعدالة هي عدالة القوي، ولن تطبق أحكامها إلا على الضعفاء، وليس على بوش وبلير ونتنياهو… ولذلك لا نتصوّر أن ما يقوم به بريطانيون شرفاء من حملة لجرّ توني بلير إلى الجنائية الدولية سيحقق شيئاً.

أمرٌ آخر ينبغي قوله بهذا الصدد، وهي أن جريمة غزو العراق لا تتحمل مسؤوليتَها فقط أمريكا وبعضُ الدول الغربية التي ساعدتها في ذلك، بل إن الدول الخليجية التي فتحت أراضيها ومياهها الإقليمية ومجالاتها الجوية للقوات الغازية، وموّلت عدوانها على العراق، وروّجت للاحتلال ودعمته بشتى الطرق، تتحمّل بدورها نصيبا كبيرا من المسؤولية؛ فقد انساقت وراء العدوان دون وعي بمخاطره وساهمت في إسقاط حكم صدام الذي كان درعا متينا لها في المنطقة، ومنحت العراقَ على طبقٍ من ذهب لإيران، ثم أخذت بعدها تندب ضياع حليفها منها وتحوّله إلى شوكةٍ في خاصرتها، وإذا كان هناك من يجب أن يُحاسَب على التداعيات الخطيرة لغزو العراق، فإن قادة هذه الدول ينبغي أن يكونوا في مقدِّمة المحاسَبين على مساعدة الأجانب في احتلال دولةٍ عربية “شقيقة”.

 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
8
  • واحد يعرفكم برشا, بزاف, أوي, مليح

    المسلمون تفرقوا و تشتتوا بعيد موت الرسول و قبل دفنه و منذ تلك اللحظة و هم في شقاق و تحاقد و لم يتوقف يوما اقوياؤهم و ذووا امرهم عن ارهاب رعاياهم و سفك دماء كل من خالفهم او خافوا ان يخالفهم الراي.
    "لا جديد تحت الشمس" في امر الامة التي ضحكت منها الامم.

  • حمورابي بوسعادة

    انسان مريض...يبقي وصمة عار واجرام في تاريخ الرئاسة الأمريكية .

  • خالد البزباز

    إلى جزائري بلا عقل..فهمك للدولة فهم غربي لا صلة له بنا نحن كأمة الإسلام أمة أفضل الخلق محمد عليه الصلاة والسلام . جهلك واضح للجميع و لكني خشيت أن تضل بعضنا بجهلك و طيشك ..أيعجبك حال العراق اليوم ؟!!أتفرح بانقسام المسلمين وتفرقهم وتششتهم وهم يتقاتلون و دماؤنا تراق وتسفك؟!! والله إن حالك كحال كلاب الغرب الذين يسعون لخرابنا و دمارنا .أولئك الذين أخبرنا عنهم رسولنا العزيز قائلا 'يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها'إذهب وتب إلى الله ولا تكلم الناس فيم لا تعلمه ..غفر الله لك.

  • جزائري ذو عقل

    الانسان قبل كل شيء. الانسان مقياس كل الاشياء كما قال اسيادنا الاغريق. الدفاع عن حدود وضعها الانسان (وحدود الدول العربية سطرها الاستعمار) اذا كانت هذه الحدود سجنا للانسان هو جنون. دويلة ليشتنشتاين غير المرئية على الخريطة التي يعيش اهلها محترمين سعداء احق بالوجود -في رايي- من كل الامارات و الممالك و الجملكيات العربئسلامية الكاريكاتورية. امارة ليشتنشتاين دولة عظمى مقارنة ببنغلاديش ذات المائة و خمسين مليون نسمة التي تعيش بصدقات الدول الاخرى.

  • جزائري ذو عقل

    الدولة تنظيم جماعي اهتدى اليه الانسان ليسير شؤونه و يضمن ادنى حد من السعادة لخلق الله وهذه السعادة تتمثل في الامن والحرية والرخاء والرفاهية والاخوة والوئام وكل الظروف التي تمكن المجموعة البشرية التي تعيش في ظلها من بناء حضارة والرقي بالانسان الى اعلى المستويات التي تمكنه من تفجير عبقريته وطاقاته. و اذا كانت الدولة لا تحقق ذلك بل وتجعل محكوميهاقطيعاتعيساعاطلاخاملاخائفاعاجزا يعيش حياة ضنكة امام استهزاء الشعوب الاخرى فما الفائدة منها? الدولةالتي لاتنفع الاالحكام ومن يدور في فلكهم لتذهب الى الجحيم.

  • جزائري ذو عقل

    انا اضحك عندما اسمع تلك الخطابات التي تهول انقسام العراق او سوريا او ليبيا او السودان الى عدة دول كما لو ان تحول دولة الى دولتين او ثلاث او اربع هو كارثةالكوارث و سلوك شاذ وخطير منافي لقوانين الكون كأن الدول مخلوقات مقدسة ابدية ليست من صنع الانسان ولا تخضع لعوارض التاريخ!!! هل عرفت القرون الماضية دولة اسمها العراق? لا طبعا. بلاد الرافدين كما سماها الاغريق ملتقى عدة اعراق واجناس وتتالت عليها امم سامية وامم هنداوربية قبل ان تصبح فارسية ثم عربية فارسية ثم عربية فارسية سلجوقية. دولة ليبيا صنعت عام56

  • جزائري ذو عقل

    هذا راي مغرض لا علاقة له بالموضوعية ويعبر عن وجهة نظر اقلية الاقلية من الشعب العراقي التي جرعت اغلبية العراقيين ما لا تسمح اخلاقنا بذكره هنا. انا اعرف ان وجهة النظر هذه تعبر عن راي كل عرب الجزائر الذين يعبدون المجرم صدام و اذكر ان الطلبة في الجامعة كانوا يصفون الشعب الكردي بما لا يمكن ذكره هنا و بما يعبر عن عنصرية وحقد دفين و غريب لشعب صلاح الدين الايوبي رغم ان اغلب الجزائريين لم يروا كرديا واحدا طول حياتهم. اما الاغلبية الساحقة من العراقيين فهي بدون شك تفضل الفوضى التي يمر بها العراقيون اليوم

  • عمار الجزائري

    عيدكم سعيد ومبارك. والله انه تحليل منطقي ولكن لمن تقراه ايها الشهم المناضل ..ان المسؤولين في امة لا اله الا الله لا يقرؤون لذلك يخظئون ولا يعتذرون ولا يستقيلون من الحكم الا بالقدر المحتوم . اقول لك استوزار امي او حاكم جاهل ليس من باب الصدفة وانما هو قرار غربي مدروس لكي تبقى دواليب الحكم تحت تصرفهم لانهم فقهوا اننا امة لا تقرا فهي اذن تجوع وتستعبد. الى ان ياتي الله بالفرج امين .