الإسلام وروح المقاومة
ما الذي يدعو رجلا تجاوز الخمسين إلى الانخراط في الكفاح المسلّح، إذ يتربص الموت في كل مكان، وفي هذه السن عادة ما تتراجع فورة المواجهة لدى الإنسان، مفضلا المسالمة وتوقي الأخطار؟ ما الذي يحفز شابا يافعا مقبلا على الحياة، على وضع أحلامه جانبا، ممتشقا بندقيته، حاملا روحه في كفه لا يلوي على شيء؟ ما الذي يجعل المرأة تبذل طاقتها لإطعام مئات المجاهدين في ليلة واحدة، لا تملّ ولا تكلّ؟ ما الذي يجعل الزوجة تنحني أمام جثمان زوجها الشهيد، محتسبة صابرة؟ والأم تتقبّل استشهاد أبنائها بلا امتعاض؟
ما الذي يحمل شعبا أرهقته سياسات الاستعمار التدميرية على تبني الثورة، وهو يعلم أن الفاتورة الأغلى كلفة والأشد عنتا سيدفعها هو، من قوته وروحه، فلا يتردّد ولا يتخلّف؟
ما الذي استنهض همة أمة، أرادها المستعمِر خائرة القوى، فاقدة الوعي، ميتة في ثوب حي، لا تقرأ ولا تكتب في أكثرها، لتختار مسارا محفوفا بالموت والدمار والوحشية، وهي التي جرّبت انتفاضات وحروبا قاسية ودامية، انتهى أغلبها إلى الفشل؟
الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها تفضي إلى السر الذي حرّض هؤلاء الناس على الثورة، واسترخص لديهم كل ما بذلوه، وما بذلوه ليس هيّنا، إنه ملايين الشهداء وأنهار من الدماء والدموع.
كل ما قام به ابن باديس، رحمه الله ومن كانوا معه، كان بوازع ديني أساسا، كان هؤلاء يدركون ألا ثورة بلا إيمان ووعي وإرادة، ولا حرية حقيقية إلا التي تعيد هذه الأرض للإسلام ولأهلها المسلمين، كانوا في ميدان الدعوة الموطئة للثورة المسلحة، بمثابة القوة المواجهة لـ”لافيجري” وأعوانه.
كان يتسنى للناس العيش على أي نحو متاح، بدل المغامرة باختبار خسارة كل شيء، ألم يجرف الاستعمار قبائل برمّتها إلى الهاوية، حرقا في الكهوف وطردا إلى الجبال وحصارا لا ينفكّ وإبادة لا تبقي ولا تذر، لكنهم اختاروا طوعا درب الألم والدموع، مقابل ما يرونه أغلى من أي ثمن؟
السر يكمن في أمرين اثنين يفسران ذلك.
الأول توق الإنسان بطبعه إلى الحرية، وميله الجارف إلى ما يجعله سيد نفسه، فهو مجبول بفطرته على اعتناق أي فكرة تحرّره من قيد الاستعباد، وتتيح له الانطلاق من دون عوائق، فإذا ما فقد هذا الشعور، استوى لديه أن يكون عبدا أو سيدا، وتقديري أن شعبنا الذي سامه الاستعمار كل ألوان القهر والإذلال، لا تزال جذوة الحرية متقدة في ضميره، رغم ما قد يبدو في الظاهر استسلاما منه للأمر الواقع، وقد فشلت ثورات وانتفاضات خاض غمارها، جذوة تحفّزه على تجاوز حالة الاحتلال وبأي ثمن، وقد فعل ذلك في 1954.
الآخر، العقيدة التي توفر له ملاذا من اليأس، وتحفزه على المقاومة ورفض الضيم، وافتراض أن المسلم مطالب بمقاومة العدوان من دون تردد، وتجاوز كل المبررات التي تحبّذ إليه القبول بالاحتلال، مهما كانت الدعوات التي تخذله وتبقيه رهينة الخنوع والخضوع، ولو بدت على لسان عالم دين.
إنه الإسلام الذي أذكى روح المقاومة في هذه الأمة، وفتح لها طريقا إلى النور بعد ظلام الاستعمار.
كل الذين سلكوا هذا الدرب، كان الحافز الديني لديهم طاغيا، كان إيمانهم بالاستشهاد يوازي إيمانهم بالنصر والحرية، من الأمير عبد القادر إلى آخر مقاوم في ثورة 1954، كلهم من دون استثناء يستقون من معين الدين، شعارهم “الله أكبر”، وأغلى أمانيهم الفوز بالجنة.
أنت مسلم، فأنت مطالب بالجهاد، وليس لك أن ترضى بالعيش تحت سطوة عدوِّك، ولا أن تخلد إلى الأرض راضيا بمتاعها القليل، وفُتاتها المتساقط من مائدة الاستعمار.
كل الانتفاضات كانت محفوفة بقناعة دينية راسخة، تقوم على واجب الثورة واستخلاص هذه الأرض، أرض الإسلام، من قبضة العدو، عدو الدين والإنسان والحرية.
كل ما قام به ابن باديس، رحمه الله، ومن كانوا معه، كان بوازع ديني أساسا، كان هؤلاء يدركون ألا ثورة بلا إيمان ووعي وإرادة، ولا حرية حقيقية إلا التي تعيد هذه الأرض للإسلام ولأهلها المسلمين، كانوا في ميدان الدعوة الموطئة للثورة المسلحة، بمثابة القوة المواجهة لـ”لافيجري” وأعوانه.
وأولئك الذين حسموا أمرهم ليلة أول نوفمبر، وكتبوا بيانهم الشهير، الذي هو معلم استهداء وسط الظلمات التي تراكمت منذ قرن ونيف، كانوا يؤمنون بثورة تؤطّرها فيها قيمُ الدين وتضبطها أحكامه.
اليوم، ونحن في سعة من حريتنا، ألم يأن بعد أن نردّ لهذا الدين جميله، وقد منحنا فرصة الانعتاق من أغلال الاستعمار البغيض، فهو حريتنا وبه تحرّرنا، وإليه يجب أن نفزع في استلهام ما يبقينا أحرارا على الدوام.