الإطار الحضاري.. انتصارنا
لحد الآن عندما أقارن تفاعلنا كجزائريين مع الأحداث وانتقادنا للأوضاع التي نعيش، وتطلعنا المشروع لتحسينها باستمرار، عندما أتابع مستوى النقاش ـ غير الرسمي ـ عبر الفضاء الأزرق لكثير من شبابنا، وأستثني تلك الحالات الشاذة من المتزمتين للرأي أو المتنطعين، أكاد أجزم أنه بإمكاننا حقا، أن نجد الحلول اللازمة لمختلف مشكلاتنا وعلى رأسها مشكلة الهوية ما دمنا نُدرك طبيعة الإطار الحضاري الذي نتحرك ضمنه ونعي أن في ذلك انتصارنا…
لقد علَّمتنا الخبرة التاريخية التي مررنا بها، أننا لا يمكن أن نحل مشكلاتنا من غير حوار متمدن، ومن غير طرحها ضمن نطاق مشكلات الحضارة كما أسماها مالك بني نبي رحمه الله. تكفينا هذه الخلاصة، بما تحمل من دلالات كثيرة لكي نحل أكثر الإشكالات تعقيدا من تلك التي تواجهنا، من مشكلة منظومة الحكم، ومشكلة إدارة الموارد المختلفة، ومشكلة الحياة الاقتصادية والاجتماعية، إلى مشكلة الثقافة والهوية. بإمكاننا أن نحل جميع هذه المشكلات المختلفة والتي بينها رابط لا شك فيه، من خلال اعتمادنا المنظور الحضاري المتكامل، من خلال النظر لها ليس كفروع للمشكلة الأساسية التي بدأنا نعيشها اليوم، إنما كامتداد لتلك التي عرفناها منذ مئات السنين، أي كمشكلة حضارة.
طبيعة منظومة الحكم التي كثيرا ما ننتقدها لا يمكن إدراكها على حقيقتها ولا إيجاد حل لها خارج نطاق فهم المرحلة الحضارية التي تمر بها بلادنا. السرد التاريخي في هذا المجال ربما لا يكفي وحده، لنُبيِّن أننا بعد قرون من أشكال الاستبداد الغربي والشرقي المختلف الأنواع، وبعد قرن وربع القرن من الاستبداد الفرنسي المباشر، لا يمكننا أن نُلغي من الترسبات الكامنة في مجتمعاتنا مسألة الولاء للأقوى والولاء للمستبِّد. أعداد من الجزائريين تعاملوا مع الحكم الاستعماري الفرنسي لأنهم لم يتمكنوا من التحرر من فكرة الاستبداد التي حُكِموا بها طيلة قرون خلت، وأعداد أخرى حلت محلها بعد استعادة الاستقلال لتبارك بطريقة أو بأخرى حكم القوة وتنتظر منه أن يتحول إلى ذلك النوع من الحكم العادل الذي رسخته في ذهنها نماذج تاريخية، كثيرا ما حفظتها الذاكرة الجماعية أو سردت عليها سردا، إلا أن هؤلاء جميعا ما لبثوا أن وجدوا أنفسهم في لحظة معينة وكأنهم خُدِعوا في النموذج الذي حَلِموا به. وكان ذلك يحدث، كما في كل مرة، بعد فوات الأوان.
وكما ينطبق هذا على عموم الناس ينطبق أيضا على القيادات التي حَكَمت البلاد، كم منها تفطَّن أخيرا أنه لم يكن يتحرك ضمن إطاره الحضاري فانتهى به الأمر فاقد القدرة لتصحيح ما فات بعد أن فات الأوان. (نموذج قيادات ما بعد الاستقلال وأفضل ممن يجسدها الرئيس الراحل هواري بومدين).
وبدل أن تكتشف قيادة الأمة الخطأ في تشخيص الداء ووصف الدواء تكون قد أُبعدت تماما عن سلطة اتخاذ القرار. وهو ما قدَّمَت لنا تجربة نهاية ثمانينيات القرن الماضي وبداية التسعينيات مثالا حيا عنه، إذ في اللحظة التي أدركت فيها الأمة بفطرتها أنه عليها استعادة إطار حركتها الحضارية، لم تتمكن من إيجاد الآليات القادرة على ذلك، (لم تكن الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالآلية الكافية)، فدُفعت دفعا إلى العنف الداخلي ليزيد من إرباك الرؤية الحضارية لديها، وهكذا بدل أن تستوعب خصائص مرحلتها وطبيعة الصراع التي أُقحمت فيه، نظرت بعض قيادتها له من زاوية ضيقة،(معاداة بعضها البعض)، مكنت الآخرين الذين كانوا يتحركون بوعي تام ضمن المشروع الحضاري المضاد من الإطاحة بها وحدث لنا ما حدث…
وبعد سنوات الدماء والنزيف، اعتقدنا أننا بلغنا من النضج لنطرح مشروعنا السياسي ضمن إطار نهضتنا الحضارية التي بدأت منذ نهاية القرن التاسع عشر، وتوفرت لنا فرصة تاريخية كبرى مع بداية هذه الألفية لنُعيد صوغ رؤية مستقبلية لنا ضمن هذا الإطار (موارد مالية ضخمة، استقرار سياسي واستعداد لنهضة حقيقية واقتناع بذلك)، (نفس الظرف التاريخي الذي سبق نهضة تركيا بعد حل حزب الرفاه الإسلامي بقيادة نجم الدين أربكان سنة 1998، وبروز حزب العدالة والتنمية 2001 المُشَكّل من قاعدته بقيادة رجب طيب أردوغان)، إلا أننا بدل أن نعيد بناء بلدنا ضمن إطارها التاريخي والحضاري، دُفعت دفعا للسير باتجاه آخر: الانتقال إلى مجتمع استهلاكي بعيدا عن كل رؤية حضارية وبعيدا عن أي عملٍ لحل مشكلة الهُوية ضمن هذا الإطار.
وكان من نتيجة ذلك أن أصبحت الأهداف التي نحقق، مجرد محاولات لتلبية حاجاتنا المادية أنتجت فئات واسعة جديدة من الأثرياء الجدد، لا هم لها سوى تحقيق مزيد من الربح وعبادة ما يُمكن أن نُسميه بالمال “المنزوع الهوية” الذي لا قضية له ولا مبدأ، رغم بعض المحاولات، على مرات متقطعة لِلَفِّه ببعض الطقوس الوطنية. (باسم جبهة التحرير).
وهكذا اتسعت الهوة بين محاولة تقدمنا وإمكانية فعل ذلك في نطاق الرؤية الحضارية، وكان ذلك بسبب سوء التعامل مع الطفرة المالية، ولم تبدو لنا الإشارات الحاملة للمستقبل واضحة، إلا بعد أن بلغت هذه الطفرة المالية نهايتها كما كل التطورات المادية، حيث اكتشفنا أننا بصدد بناء مجتمع يسعى لتلبية حاجاته المادية بعيدا عن كل اهتمام بالانتماء والهوية، في الوقت الذي كان فيه المشروع الاستعماري ـ رمز الهيمنة الحضارية ـ الذي أعلنا ثورة عارمة للتخلص منه، يُعيد طرح بدائله الثقافية ـ المقبولة ـ (نموذج المدرسة البنغبريطية) لمجتمع كاد يفقد كل بوصلته التاريخية، وهو يلهث خلف حقوق مادية تم تمثيلها له في شكل امتيازات ينبغي الفوز بها (سكن، شغل، سيارة، غذاء…الخ) كغاية الغايات في هذه الحياة.
وهكذا لم تترد المسألة الثقافية ومسألة اللغة، ومسألة الهوية والدين من أن تبرز من جديد كتهديدات كبرى لدولتنا (مسألة التربية الإسلامية، وفرنسة المواد العلمية، ابتذال التاريخ والعلوم الانسانية) (انظر مقالنا الأسبق تهديد الهوية وشباب عدم الانتماء)، ولعل ما حدث في الأشهر الأخيرة من تصاعد لهذا الطرح (الأمازغية) إنما يدخل في هذا الإطار، ومن الخطأ إدراجه أو تفسيره ضمن إطار آخر.
إن الإدراك الحقيقي لطبيعة مشكلاتنا اليوم سواء أكانت ثقافية أو اقتصادية أو غيرها إنما يبدأ من هذه النقطة بالذات، أي معرفة الإطار الحضاري الذي هي مُدرجة ضمنه: اللغة الأمازيغية أو يناير أو اللغة العربية أو التربية الإسلامية أو غيرها من القيم التي تُحدِّد معالم أمة من الأمم، لا يمكنهما أن تكون في حالة نزاع أو تعارض فيما بينها ضمن الإطار الحضاري الواحد، ولعل هذا ما بدا لنا واضحا اليوم رغم محاولات كثيرة يائسة لإخراجه عن هذا السياق.
ولعل ما جعلنا نقول رغم كل محاولات منع ذلك، أننا نتفق في غالبيتنا الساحقة على فهم التطور التاريخي للإطار الحضاري الذي ننتمي إليه بعنوان الانتماء إلى أمة الإسلام، مهما كان تميزنا اللغوي ومهما كانت اختلافاتنا في فهم المسار التاريخي الذي عرفته بلادنا وأنواع الممالك والأنظمة السياسية التي مرت بها منذ ما قبل الميلاد إلى اليوم، نتفق أن حضارتنا لم تكن عبر التاريخ ذات امتداد عمودي نحو الشمال إنما كانت باستمرار ذات امتداد أفقي نحو الشرق، ولعل هذا ما يجعلنا اليوم أكثر صلابة للتعامل مع أي شكل من أشكال التطورات الحاصلة داخليا وخارجيا وأكثر ثقة، من غيرنا على الأقل، في أن كل محاولات الانحراف بنا إلى مجالات للصراع الداخلي، على أساس الاختلاف في الانتماء الحضاري لن تحقق الغاية المرجوة منها، ذلك أننا في آخر المطاف سنتصرف كمجتمع انصهر ضمن حضارة، وسنجد الحلول لمشكلاتنا المختلفة ضمن هذا الإطار، وسنؤكد انتصار وحدتنا الحضارية رغم كل محاولات الإلهاء الكثيرة أو الانحراف بنا عن الطريق الصحيح أو إيهامنا بأننا شعب بلا تاريخ ولا هوية ولا حضارة يهمه فقط أن يعيش كالأنعام وينتظر بشغف الملاذ الأمين للاحتلال الأوروبي أو ليكون عبدا للسيد الأوربي، ذلك ما بدا لي كقناعة عامة اليوم، لدينا كمجتمع رغم اختلاف مواقعنا، وذلك ما جعلني ألتقط فكرة أننا قادرون على الانتصار على مصاعبنا في نطاقنا الحضاري وليس خارج هذا الإطار.