الإمتحان الذي غفل عنه كثير من النّاس!
ربّما ينشغل العبد المؤمن في هذه الحياة الدّنيا، ببعض الامتحانات العارضة والمتكرّرة، عن أهمّ امتحان يخوضه في هذه الدّنيا؛ امتحان يُفترض ألا يغفل عن خوضه وعن العمل باللّيل والنّهار لأجل أن يظفر بالنّجاح في نهايته.. امتحان لا يشغل المؤمن عن الامتحانات الأخرى ما دامت لأجل ما أباح الله، لكنّ هذه الامتحانات يمكن أن تشغله عن هذا الامتحان الأهمّ، متى ما ضعف إيمانه وغفلت روحه.. إنّه “امتحان الحياة”. نعم، امتحان الحياة؛ فالحياة كلّها من البلوغ إلى الوفاة، امتحان صعب، يجتازه كلّ واحد منّا، والترشّح له فرض عين على كلّ عبد أدرك سنّ البلوغ؛ الشابّ والشيخ والرّجل والمرأة، والطّبيب والمعلّم والأستاذ والطالب والمدير، والفلاح والبطّال… كلّنا في امتحان إجباري في هذه الحياة. ((الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُور)) (الملك، 02).
هو امتحان إجباريّ، لكنّنا كثيرا ما نغفل عنه وننساه وإن تذكّرناه فربّما لا نهتمّ به بقدر اهتمامنا بامتحانات أخرى كثيرة.. ولعلّه يكفينا أن نتساءل: كم واحدا منّا جلس مع نفسه جلسة صدق في ساعة من ليل أو نهار ليسألها: يا ترى هل سأكون من النّاجحين في امتحان الحياة أم من الخاسرين؟ يا ترى ما هي علامتي في امتحان الحياة؟ هل هي فوق الصّفر أم تحته؟ يا ترى هل حسناتي أكثر أم سيئاتي؟ أتراني أسير في طريق الجنّة أم في طريق النّار؟
أخي المؤمن.. بالله عليك، لو طُلب منك أن تدفع كلّ ما تملك لتعرف ماذا لك عند الله، أ كنت ستتأخّر عن ذلك؟ لا شكّ في أنّك لن تتأخّر لحظة واحدة. فماذا لو قلتُ لك إنّك تملك ميزانا لا يكلّفك دينارا ولا درهما يُعرّفك بما لك عند الله. نعم إذا أردت أن تعرف ما لك عند الله فانظر ما لله عندك؟ انظر ما حظّ الإسلام من حياتك؟ هل الإسلام هو الذي يحكم قلبك في حبّك وبغضك ورضاك وسخطك؟ هل الإسلام هو الذي يحكم معاملاتك؟ هل الإسلام هو الذي يحكمكِ في لباسكِ أيتها المؤمنة؟ هل الإسلام هو الذي يحكم أسرتكَ أخي المؤمن؟ هل يهمّك أن يكون كلّ ما يدور في بيتك يرضي الله جلّ وعلا؟ هل يهمّك أن يكون ما تشاهده زوجتك ويشاهده أبناؤك وبناتك على شاشة التلفاز ممّا يرضاه الله؟ هل يهمّك أن يرضى الله عن كلّ خروج تخرجه زوجتك؟ هل يهمّك أن يرضى الله عن اللباس الذي تلبسه بناتك؟
اجلس مع نفسك جلسة صدق وابحث عن الإسلام في قلبك ونفسك وروحك، هل يهمّك مستقبل هذا الدّين؟ هل يؤلمك ما يحدث لإخوانك المسلمين في فلسطين وسوريا والعراق وليبيا وبورما ومالي والصّومال ومصر؟ ابحث عن الإسلام في جوارحك، وفي مالك الذي تطعم به عيالك. ابحث عن الإسلام بين جدران منزلك. ابحث عن الإسلام في تلفازك بيتك وفي هاتف جيبك. ابحث عن الإسلام في لباس بناتك وحال أبنائك.
إياك أخي المؤمن أن تنسى أنّ الحياة امتحان؛ المراقب فيه ملكان لا يغادران صغيرة ولا كبيرة إلا أحصياها ((إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ))، وفوقهما ربّ جليل لا تخفى عليه خافية. ((يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور)). القلم في هذا الامتحان هو الجوارح والورقة هي الصّحيفة، فانظر ما عساك تكتب في صحيفتك، فإنّ الموعد أمام ميزان يزن الشعرة والذرّة.
وأنت أخي الشّابّ، يا من أنت مقبل على امتحان البكالوريا بعد أسابيع قليلة.. استعن بالله أخي، والجأ إليه- جلّ في علاه- لجوء صادق مخلص. حافظ على صلواتك في أوقاتها. حافظ على الأذكار وأكثر من الدّعاء والإلحاح فيه. ادع الله أن يثبّتك ويربط على قلبك، ويوفّقك، قل: “اللهمّ لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا”.
ليس حراما ولا عيبا أن تلجأ إلى الله كلّما احتجت إليه وإلى توفيقه، ولكنّ الحرام والعيب أن تلجأ إليه وقت الحاجة وتنساه إذا قضيت حاجتك، كما قال سبحانه: ((وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون)). استعن أخي بالدّعاء وقت الأسحار، والمذاكرة في وقت الفجر فإنّها من أنفع ساعات النّهار. تجنّب السّهر إلى ساعات اللّيل المتأخّرة، فإنّ العقل في تلك السّاعات يكون في مرحلة أشبه بالخمول، والاستيعاب في تلك السّاعات قليل ويكاد يكون معدوما. تجنّب الإكثار من المنبّهات كالقهوة والشّاي. لا تجهد نفسك فوق طاقتها، وأعطها حقّها من الرّاحة من حين إلى آخر، فإنّ الرّاحة للجدّ جدّ.