الإنجاز الوهمي واستغلال اللحظة
يمدح بعض الأصدقاء المثقفين على مواقع التواصل الاجتماعي المؤثرين الشباب التافهين لأنهم حسب نظرتهم نجحوا في استغلال اللحظة عكس جيلنا الذي عجز عن ذلك. إن هؤلاء المهرجين “المؤثرين” لم يصبحوا كذلك إلا في منظومة قيم مرضية – غرائزية لا عقل فيها، هي منظومة التفاهة وتأثيرهم هو على أشخاص فاقدين للتفكير الصحيح قبل التحرك الصحيح..
كما وقع في مهزلة الأشهار لوكالة محتالة على الطلبة للدراسة بالخارج. الدفاع عن التفاهة باسم النجاح في استغلال أدوات العصر واستثمار اللحظة هو دفاع عن الإنجازات الوهمية التافهة. رفع عدد المشاهدات وجني المال من اللايفات والجولات المقززة أو المتاجرة بالجسد أو الابتذال في عرض الحياة الشخصية ليس نجاحا في استغلالا اللحظة بل هو الصورة الجديدة للدعارة الافتراضية.
يملك أكثر من مثقف نبيه أدوات النجاح في هذه التفاهات ويمكنه أن يصبح على لسان كل أحد، وأن يجعل اسمه أكثر الأسماء طلبا في محركات البحث، يكفيه أن يقدم شيئا غريبا شاذا تافها جنونيا، ولكن المثقف الرسالي الخلوق العارف لا يمارس هذا عن قناعة راسخة وليس عن عجز. وأنا هنا أقدر وأحترم المؤثرين صناع المحتوى العلمي أو التربوي أو السياحي أو الفني الكاشف عن ذكاء وجهد ورسالة نبيلة. المثقف الحقيقي لا يستسلم لمنظومة التفاهة المستفحلة حاليا باسم الواقعية، لا يدافع عنها تحت عناوين براقة، لا يتعايش معها ولا تخور قواه في مقاومتها، هو لا يرفض وسائل العصر هذه باسم المثالية لأنها كسابقاتها سلاح ذو حدين، كما لا يرى نفسه في منافسة على عدد المشاهدات والمتابعات مع المؤثرين التافهين، ولن يتغلب عليهم مهما فعل، لأن الرقاصة عبر التاريخ كانت دائما أشهر من الكاتب والعالم والمفكر.
لماذا يحدث هذا؟ لأن شعبية ما يتطلب جهدا قليلا تفوق شعبية ما يتطلب جهدا كبيرا كما يقول أحد المتخصصين. هذه قاعدة مشهورة في علم الأعصاب، وهذا ما خطته الإرادة الإلهية في أعصابنا، بحيث أننا نفضل ما هو خاطئ لكنه سهل الاعتقاد على ما هو صحيح لكنه صعب الاعتقاد. هذا الناموس الإلهي يفسر مشكلا جوهريا للكثيرين مع تعلم الرياضيات، كما يقدم أحد أسباب انتشار الأخبار الزائفة ونظريات المؤامرة بسرعة البرق، كما يفسر شهرة المؤثرين الأميين أو الحثالة على حساب أصحاب المحتوى الراقي. الوصول إلى الخبر العلمي الصحيح يتطلب جهدا عظيما جدا.. وأسهل طرقه سؤال أهل الاختصاص في مجموعهم لا أصحاب الآراء الشاذة.
ولكن، لماذا يفقد المثقف أو المفكر جرأة التافه أو الجاهل؟ لماذا يغتر الجاهل ويتواضع العالم؟ هناك نموذج في الرياضيات يسمى: L’effet Dunning-Kruger تأثير دانينغ كروغر، يقدم تفسيرا علميا لمتلازمة الثقة المفرطة. Syndrome de la surconfiance أو متلازمة الخبير syndrome de l’expert يقول: إن ثقتك في معلوماتك متناسبة عكسيا مع خبرتك وتبحرك في تجربتك أو اختصاصك. وهي متناسبة طرديا مع جهلك. المبتدئون أكثر ثقة من غيرهم في معلوماتهم، وأصحاب الخبرة أشد شكا في معلوماتهم من غيرهم. يبدأ الجاهل عند تعلمه أي شيء بصعود جبل الحماقة montagne de la stupidité حتى يصل قمته ليقول: أنا أعرف كل شيء، ومع بداية تبحره في موضوعه، تبدأ ثقته المفرطة في علمه بالانحدار حتى تصل سفح جبل الحماقة. بعد إلمامه نسبيا بموضوعه يبدأ في صعود هضبة التواضع vallée de l’humilité، حتى يصل إلى سهل التحكم plateau de la maîtrise. الباحثان دانينغ وكروجر قاما بنمذجة هذه المتلازمة رياضياتيا عبر مقالة علمية. ورسما المنحنى البياني المعبر عن كل ذلك.
ماذا يحدث إذا تقلد الجاهل مسؤولية عن شيء يجهله تماما؟ تحدث كوارث طبعا، لا تبقي ولا تذر، ولا يسلم من آثارها أحد. والحقيقة أن الإنسان يكتشف جهله أكثر كلما تبحر في العلوم أكث، فيتواضع أكثر، “وما أوتيتم من العلم إلا قليلا”. الجرأة على الاعتراض قبل الفهم سهلة ميسرة، وهي في زمن مواقع التواصل أسهل وأيسر، والذين يجيدون البناء في جدية وصمت فاشلون في منافسة اختصاصيي الضجيج في ضجيجهم. وما رأيت متعلما مفْرطا في إحداث الضجيج الغوغائي إلا وجدته غائبا تماما عن العمل العلمي أو الثقافي أو الإعلامي الجدي البنائي. صحيح أن شعبية قادة الضجيج أكبر بكثير من شعبية الفاعلين في صمت، لكن الأولى سوقية ومؤقتة وعابرة، أما الثانية فَراقية ومستمرة وخالدة.
وقد يفضل بعض المثقفين شعبية الضجيج، لأنها سهلة وساحرة ومحققة لحب الظهور والشهرة. ما قدمه بعض علمائنا الذين رحلوا في صمت، أو لا يزالون، بعيدا عن الأضواء، للعربية والإسلام والثقافة والعلم في ذكاء وجد ووصل لليل بالنهار، لا يمكن مقارنته بالخواء الطبلي الصانع للضجيج الذي لا يجيد سوى الصراخ على الفيسبوك: العربية في خطر، الإسلام في خطر، العلم في خطر، نحن في خطر.