الاغتصاب الفكري والديني!
حينما كتبت في مقال سابق حول ضرورة النقد في حياتنا الفكرية والدينية حتى يمكن أن نتقدم إلى الأمام على هدى وبينة من أمرنا، وأشرت إلى أن “النقد من الإيمان” رد علي بعض الذين لا يفقهون إلا ظاهرا من حياة المعاني، بأنني تجاوزت حدودي وافتريت على الرسول عليه الصلاة والسلام الذي لم يرد في حديثه الذي ذكر فيه “شعب الإيمان” أي ذكر” للنقد”، فتعجبت لهذا الفهم السطحي والتبسيطي للأمور وبالتالي لا يمكن أن نسلم بأن الليبراليين والعلمانيين أو ما يسمى بالحداثيين هم لوحدهم الذين يتعرضون لمحاولة الاغتصاب الفكري من طرف المتشددين والمتطرفين الذين ينتمون للتيار الإسلامي بشقيه الدعوي والسياسي، بل إن المعتدلين والوسطيين من المتدينين هم كذلك مستهدفون بل هم أكثر عرضة لمضايقات وتحرشات المتزمتين الذين فشلوا في عملية التوفيق بين العقل والنقل والتمييز بين المقدس والمدنس وبين ما هو ثابت وما هو متحول وهذا أكبر دليل على أنهم لا يحسنون قراءة التراث وبالتالي من تحصيل الحاصل أن يعجزوا على استيعاب وتوطين ما أنتجته الحضارة الحديثة ولكن في المقابل نجد خصومهم من العلمانيين الذين يطعنون في مرجعيتهم هم كذلك يقرؤون التراث بانتقائية وشهوانية لتعزيز قناعتهم وتجد أغلبهم غير صادق ومتجرد في طروحاته التي يرفعها مثل حرية الرأي والتفكير والإبداع والتي يحاول أن يجد لها سندا من النصوص الدينية كذلك ولكن في نفس الوقت يضرب النصوص الأخرى بعرض الحائط ولا يجد من الواجب الالتزام بها بحجة أن العقيدة هي علاقة العبد بربه وتجدهم إذا قرؤوا القرآن فلا يتجاوز حناجرهم على طريقة أساتذتهم من المستشرقين وهذا كما يقول العلماء افتيات على النص يوسع كثيرا من الاختلاف والخلاف الذي يستحيل معه بناء شراكة ثقافية وحضارية.
إذا أردنا أن نحصي المشتغلين بقراءة التراث العربي الإسلامي بالجزائر فلا نكاد نذكر إلا القليل مقارنة بالدول الشقيقة مثل تونس والمغرب ومصر وسائر بلاد المشرق العربي، فعندنا الدكتور محمد أركون إذا جاز لنا ذلك بحكم إقامته الدائمة بباريس والدكتور جمال الدين بن الشيخ في التراث الأدبي والشعري والدكتور عبد الله شريط والدكتور عبد المجيد مزيان رحمهم الله جميعا والدكتور أبوعمران الشيخ شفاه الله وأطال في عمره، هذا الأخير الذي كانت رسالته للدكتوراه سنة 1978 بباريس حول المعتزلة بعنوان “قضية الحرية الإنسانية في فلسفة المعتزلة” فهو قد حاول من وراء ذلك إحياء هذه المدرسة استجابة لضروريات العصر وكان تحضيرها في بلد أم الحريات بفرنسا، وفي نفس الوقت أراد من خلال مسيرته الفكرية أن يحقق الانسجام بين المنقول والمعقول على نهج الفيلسوف ابن رشد ولكن بعيدا عن التأثيرات السلبية للمناهج الغربية التي اعتنقها وعض عليها بالنواجذ العديد من الدارسين للفلسفة اليوم والذين سقطوا طوعا ضحية للايديولوجيا الغربية على حساب الدراسة المعرفية وهذا ما عمق الهوة بينهم وبين المحافظين لدرجة أنهم أضحوا يفضلون العيش تحت نظام استبدادي بدل أن يسودهم نظام مرجعيته دينية وإن جاءت به الأغلبية كما حدث هذه الأيام في مصر التي خشي الانقالبيون فيها من المدنيين على مصالحهم وإباحياتهم أكثر مما هم قلقون على الحريات التي تحمل أكثر من وجه ولكن أكثر الناس لا يعقلون.
كان الراحل مولود قاسم دائما يردد مقولته الشهيرة “نحن لا ندعو إلى غلق الأبواب والنوافذ على أنفسنا ولكن في نفس الوقت لا نفتحها جميعا ونزيل سقف البيت كذلك” وأظن أننا لا زلنا بعيدين جدا عن موقع واسطة العقد الفريد وبالتالي لازالت معاناتنا مستمرة مادامت أهواؤنا هي التي تتحكم في توجاهتنا وهي التي تملي علينا مواقفنا التي تتدخل فيها في بعض الحالات الموجات الخارجية سواء من الشرق أو من الغرب دون إرادة منا والنتيجة هي أن نقع ضحية اغتصاب نفعي في ثوب فكري أو ديني وتلك هي المصيبة التي تتهددنا.
*كاتب وبرلماني