-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

البنوك غير الربوية.. أو الحل المنسي!

محمد سليم قلالة
  • 3366
  • 13
البنوك غير الربوية.. أو الحل المنسي!
ح. م

أظن أن الوقت قد حان اليوم لطرح موضوع إعادة النظر في منظومتنا المصرفية بالكامل، ومن خلال ذلك طرح بديل الصيرفة غير الربوية بجدية، ومن خلال وجهة نظر خبراء في الميدان المالي، وعارفين بفقه المعاملات بعيدا عن كل تحفظات أو تخوفات مهما كان مصدرها، وذلك بهدف إعادة ضبط مجال الصيرفة في بلادنا ضمن نظرة مستقبلية تستفيد من خبرة البنوك العالمية والإضافات التي تقدمها خدمة البنوك غير الربوية الأكثر ارتباطا بروح المجتمع، الرافضة لكل ما هو ربا أو غَرر أو مَيسر، أو ما شابه ذلك من معاملات غير متطابقة مع الشريعة الإسلامية السمحاء…

أظن أننا اليوم أمام مرحلة علينا أن نقوم فيها بعدة خيارات حاسمة، لا تقليدا للغرب أو للشرق، ولكن مراعاة لمصالحنا العامة والخاصة، الكثير من البلدان الغربية، ومن منطق براغماتي صرف أصبحت تدعو إلى فتح شبابيك في بنوكها للمعاملات المتطابقة مع الشريعة الإسلامية، لعل بريطانيا هي الدولة الأولى في العالم التي تحتضن مثل هذه البنوك لاستقطاب ملايير الدولارات القادمة من البلدان الإسلامية الغنية، تليها فرنسا التي رغم حساسيتها المفرطة من كل ما هو ديني أصبحت لا تُمانع في أن تستقبل رؤوس أموال وفق قواعد لم تكن معروفة سابقا في تاريخ الصيرفة الغربية عندها، مثل المرابحة أو عدم الاقتطاع من المصدر أو الحياد الجبائي تجاه مثل هذه الرساميل.. وقد أعلنت ذلك في حينه وزيرتها للاقتصاد “كريستين لا غارد” التي دعت المستثمرين المسلمين إلى اعتبار باريس مركزا يقبل التعامل معهم وفق قواعد جديدة يرضونها مثلها مثل لندن، بل إن هذه الاقتصادية المعروفة، والتي أصبحت مديرة لصندوق النقد الدولي أكدت في أكثر من تصريح لها، تداولته مواقع الأنترنت وعلقت عليه، بضرورة استلهام قواعد جديدة للصيرفة من الصيرفة الإسلامية، لإنقاذ النظام المالي العالمي من الإفلاس وتكوينه في ذات الوقت وفق قواعد جديدة.

أي أن الأزمة المالية العالمية فرضت على اقتصاديي وساسة العالم التفكير في استلهام طرق جدية لمعاملات مالية من خارج منظومة التفكير الغربي التي يمتد عمرها لقرون خلت، فكيف بنا نحن لا نلتفت إلى هذا الجانب؟

أكد أكثر من خبير جزائري، ومختص في مجال الصيرفة ومتابع لمشكلة السيولة الكبيرة التي تعرفها بلادنا خارج البنوك أو ما يُعرف بالاقتصاد الموازي، أننا بالفعل في حاجة إلى أساليب مصرفية جديدة من شأنها حل هذا الإشكال الذي ما فتئ يؤرق الاقتصاديين والمسؤولين على القطاع المالي، إلى درجة أن منهم من أصبح لا يرغب في مَن يحدثه عن هذا الاقتصاد الموازي أو عن هذه السوق المالية غير الرسمية التي يزداد حجمها يوما بعد يوما وتسير وفق قوانين غير مرئية ولكنها مُتّبعة ومُحترمة من قبل الجميع..

ما الذي يمنعنا من الإسراع في تناول هذا الموضوع بالجدية اللازمة خارج نطاق تلك الثنائية المقيتة مَنْ مَعَ ومَنْ هو ضد، التي عادة ما تحكمها دوافع سياسوية أو أحكام مسبقة؟ لِمَ لا نطرح الموضوع ضمن رؤية متكاملة لإنقاذ اقتصادنا الوطني وضبط معاملاته وفق ما تقتضيه قواعد النجاعة الاقتصادية وما يتطابق مع قيم المجتمع؟ هل “كريستين لاغارد” مسلمة لتطرح هذا البديل؟ وهل بريطانية دولة مسلمة لتستقطب أموال المسلمين؟ وهل البلدان الخليجية أقل إدراكا مِنَّا لمسائل الصيرفة الإسلامية وغير الإسلامية؟

أظن أن كثيرا من الخبراء الجزائريين والمهتمين بهذا الشأن طرحوا مثل هذا السؤال قبل اليوم، بل وتقدموا بمقرحات للبرلمان والحكومة لأجل إيجاد إطار قانوني ملائم يُساعد على المضي قُدما في إيجاد حلول مبتكرة لمشكلاتنا المالية والاقتصادية، إلا أنها بقيت تراوح مكانها من غير أن ترى النور، ليستمر العمل بالقواعد البنكية غير التقليدية (المرابحة، الاستصناع، السَّلم…الخ)، باحتشام وفي حدود ضيّقة، ولتبقى كل معاملاتنا المالية ضمن أسوأ ما تعارفت عليه البنوك الكلاسيكية، رغم كل ما حدث من تبدلات في العالم، وبرغم قناعات الكثير من خبراء المالية المرموقين بجدوى البحث عن بدائل للنظام المالي العالمي في تجارب الأمم والحضارات الأخرى بما فيها خبرة المسلمين في مجال المعاملات.

ولعل ذلك يعود في معظمه إلى أننا ما زلنا لا نثق في قدراتنا الذاتية، وفي أننا يُمكن أن نُطوِّر أساليب جديدة، أو على الأقل مُكمِّلة لما هو موجود اليوم أو مُحسِّنة له، وفي أسوأ الحالات قادرة على الاستجابة لحاجات سوق كبرى هي الآن تفرض نفسها ميدانيا، سواء سميت موازية أو غير قانونية أو شعبية أو تحت أية تسمية كانت.

أَلَمْ يؤكد أكثر من خبير أن أكثر من 3700 مليار دينار جزائري هي الآن خارج النظام البنكي؟ وأن مئات المؤسسات الصغرى تغلق أبوابها فقط لأنها ترفض الاقتراض من البنوك الربوية ؟ أَلَمْ تُبرز عملية القرض السندي محدوديتها منذ شهور، بل وكشفت ضعف المشاركة الشعبية وانعدامها أحيانا رغم أن أمما كثيرة لجأت لهذا الأسلوب وساهم في إنقاذها؟ ألا يُعَد هذا دليلا آخر على عجز الآليات المستخدمة في استقطاب الادخار الوطني وتشجيع أصحاب الأموال على عدم تخزين أموالهم في بيوتهم؟

يبدو أننا بالفعل في حاجة اليوم إلى البحث عن إجابات عن مثل هذه الأسئلة ضمن رؤية مستقبلية للاقتصاد الوطني لا تكتفي بالآليات التقليدية المعروفة لتجنيد الادخار الوطني وتشجيع الناس على الاستثمار، إنما تطرح بِجدِّية حقيقية البدائل الجديدة وترى ميدانيا مدى فعاليتها في تحقيق ما لم تحققه المحاولات المختلفة السابقة.

صحيح لقد صدرت بعض التصريحات في المدة الأخيرة لمسؤولين في قطاع المالية تُشجّع هذا المنحى باعتباره مُكمِّلا لما تقوم به الحكومة من إجراءات، ولكنها تبقى تصريحات دون البعد الحقيقي الذي ينبغي أن تأخذه في مجتمع كمجتمعنا يمر بالوضعية التي يمر بها. 

إننا في حاجة، وفي أقرب الآجال إلى إصدار قانون يضبط ويُشجِّع مجال الصيرفة غير الربوية والتأمين غير الربوي في ما يُعرف بالتكافل العائلي الذي توفره شركة واحدة لحد الآن، وإلى حث الإعلام الوطني على فتح نقاشات واسعة ومعمَّقة في هذا الجانب لتعريف الرأي العام بأنواع الخدمات المصرفية التي تُقدّمها المصارف غير التقليدية والفرق بينها والخدمات الربوية، وإزالة كل الغموض بشأنها ومناقشة كل ما تعلق بالشبهات حولها للتأسيس لثقافة مصرفية حقيقية محتَرِمَة للضوابط الشرعية التي يريد الناس أن يدخروا ويستثمروا أموالهم ضمنها ومن خلالها.. وبلا شك سيُعطي ذلك دفعا قويا لأية انطلاقة اقتصادية نُريدها، خاصة إذا ما تمت مواكبتها بإجراءات اقتصادية وسياسية ملائمة في النواحي الأخرى، أي أننا يمكن، من خلال عمل حقيقي وجاد، ضمن رؤية متكاملة، أن نقوم بتصحيح هيكلي حقيقي لمنظوماتنا المصرفية، تُصبح فيها المعاملات المالية غير الربوية إحدى مكمِّلات النجاح في هذا التصحيح وليس كل النجاح بطبيعة الحال، ذلك أن المشكلة الاقتصادية ليست مالية فحسب، بل هي متعددة الجوانب وتحتاج إلى حلول متعددة الأوجه أيضا، وما مثل هذه الحلول المتعلقة بمجال المال الذي هو أساسي في مجال التنمية الشاملة إلا إحداها، فما علينا إلا أن نختار، ونُسرع في الاختيار…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
13
  • جزائري

    وبنوككم كيف تسدد الكهرباء والمياه والورق الهاتف والكراء والرسائل والعمال و الشوفاج ولاكليم والظرائب وووووووووووووووووووووووووو
    البنك الداعشي بدون ربا يتعامل كمايلي=
    جزائري يريد شراء مسكن الدواعش يقترحون عليه اختيار المسكن هم يشتره ثم يبيعونه للجزائري بالفائدة

  • محمد شيخون الماوردي

    الدول الغربية و كلها متقدمة تعتمد البنوك و لم يقولوا ان الاقتراض بالفائدة يعيق التطور و لو قالها احدهم لكذبه واقع الحال و لأنكره مواطنوه و نعتوه بالخبل و الجنون . اما عندنا فنحن نريد اعادة اختراع العجلة و يا ليتنا نستطيع ....و في الحقيقة لا شيء يصلح عندنا , الديموقراطية كفر و البنوك ربا و التعليم الغربي حرام و الفنون بدعة و ضلال اما نحن فخير امة اخرجت للناس ....!!

  • محمد شيخون الماوردي

    الفكرة التي تختصر الاقتصاد الاسلامي هي : ومَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ...

  • محمد شيخون الماوردي

    هناك مشكلة اخلاق متفشية في مجتمعنا . الكثير من رجال الاعمال يتعاملون بالرشوة و يغشون في اعمالهم غشا فاضحا ثم يقولون انهم لا يتعاملون مع البنك لان فيه ربا لانهم لانهم يتهربون من الفوترة و الضرائب . على الحكومة بدل البحث عن انصاف الحلول ان تقوم باعمال جريئة مثل محاربة التهرب الضريبي بالزام كل المتعاملين لاقتصاديين صغارا او كبارا بالسجل التجاري و جعل كل المعاملات عن طريق البنك . و لكن السؤال اين مسؤولونا الفاشلون من اجراءات جريئة مماثلة .
    بالمناسبة ليس لدينا نظام بنكي يليق بهذا الاسم ..

  • محمد شيخون الماوردي

    البنوك بغير الفائدة او كما يسمونها الغير ربوية لا وجود لها مثل الغول و العنقاء , لأن البنك اصلا ليس اختراعا اسلاميا .كيف تستطيع اقناع شخص او بنك إقراضك مالا لمدة معينة دون فائدة يعني من اجل سواد عيونك .من هو المخبول الذي يقرضك مالا يسدد بعد 10 سنوات لقاء لا شيء علما ان قيمة هذه الاموال بعد هذه المدة ستصبح بعشر قيمتها . التطبيق الذي اثبت فعاليته هي البنوك العادية و هي وجدت اصلا لهذا الغرض اما الحديث عن تجارب بنوك اسلامية في بريطانيا او غيرها فهي مشاريع جذب و ابتزاز لأموال البترودولار الخليجية

  • بدون اسم

    انا شفت و خالطت ناس بالزاف بلا شك السراق و المحتالين هم الذين يتكلمون كثيرا غن الباء القرضي و الزيادة و يتجنبوا الحوار على رجوع ما اقترضوه و كانهم يخافونمن الحرام في القطع و الرباء اكثر من باقي البشر و بقدرة الله تعلى كذبهم ظاهر ولا يغطيه اي حجاب

  • بدون اسم

    نهار البنوك تسلف بلا رباء يعني بلا فائدة الناس كل تربح حتى انا ما حيليش بصح نسلف مليار من عند البانكة اشتري دار العام المقبل نبيعها ب 2 مليار نرومبورسيه و مليار الي حلال بلا رباء بونافار

  • محمد

    لا نستطيع التوقف عن تحريم الفوائد، لأننا لسنا نحن من حرمها، فنحن نؤمن بأنها حرام ونؤمن بمن حرمها...
    وليس هناك أفكار إسلامجية، بل عقيدة وطريقة صحيحة وصالحة للعيش في أي مكان وزمان ومع أي كان
    قبل أن نكون قي خبر كان ونترك المكان لأي كان...

  • ابراهيم

    مشكلتنا اخلاقية و ليست اقتصادية لان الانسان يكسب اموال عن طريق الحرام مثل السرقة او المخدرات و يقول لا اتعامل مع البنوك الربوية هل الحل هي البنوك غير الربوية ????

  • جزائري

    بريطانيا الدولة التي منحت بلدك لليهود على ما أظن
    وهي من خربت وقتلت وتخرب وتقاتل امثالك
    اصبحت بريطانيا عزيزة عليكم
    صدق من قال العربي كلما تذله وتحتقره يحترمك
    لو الجزائريين يحتقون ويذلون العرب يومها يعرف العربي قيمته

  • لؤي

    توقفو عن تحريم الفوائد وسيتعامل الناس بها ، يعني انتم تحاربون سياسات الدولة و تتهمونها بالكفر ، وحين تحصل الكوارث ، تاتون لتقولوا لدينا الحل ، و طرح الافكار الاسلامجية المتخلفة ، و بالمناسبة على قصة ذكر ان الغرب نزل الفائدة للصفر ، فهذا كذب بواح ، فالفائدة التي نزلت للصفر او نصف بالمائة هي فائدة الايداع ، لكون المناخ الاقتصادي راكد و لا يمكن للبنك منح المودع فوائد كبيرة ، ولكن فوائد الاقتراض لا تزال كما هي لهذا كفا تدليسا ، لان قصة البنوك الاسلامية مفضوحة ، وهي ليسيطر الظلاميون على الاقتصاد

  • محمد

    الهاكر هذا ما يتمناه كذلك..رقمنة السيولة النقدية بحيث تشتري و تبيع و تقترض ببطاقة مغناطيسية..و ربما البنك يسير ب"روبوت" فلا مجال للاختلاس و المعريفة و الشبهات..لكن لابد من مسايرة امكانياتنا التكنولوجية و الامن الخاص بوسائل الاعلام و الاتصال..ايجابياته اكثر من سلبياته اذا تم تطوير المؤ. الصغ. و المتو. و القطاعين الصناعي و الفلاحي بحيث يتم تدعيم البنك على مدار السنة بالارقام النقدية..و لاهل الاختصاص الراي الصواب

  • الطيب

    يا أستاذ سيقول لك علمانيونا ما دخل الدين في الاقتصاد !؟ غير أنهم يلتزموا الصمت عندما تقول لهم الكثير من البلدان الغربية و على رأسها انجلترا تشجع على الصيرفة غير الربوية المنقولة عن النظام المالي الإسلامي !! و إذا طبقتها فرنسا فتلك مصيبتهم ( تحكمهم الحمى ) !! خخخخ . ما تعاسرهمش برك يا أستاذ !!